كنت أعرف أن شيئا ما قد حدث حينما لم اتمكن من العثور على تاكسي. ثم كانت هناك صافرات الإنذار وضجيج المروحيات فوق الرؤوس. سألت أحد العابرين: ما الذي يحدث، فقال إن هناك سيارة مفخخة بجانب ناد ليلي لا يبعد عن فندقي بأكثر من ست بنايات. حذرني السائق من أنه سيكون مستحيلا عبور المدينة. إذ تم اكتشاف قنبلة أخرى في موقف سيارات. وفي اليوم التالي كانت هناك أخبار أخرى: قام مهاجم انتحاري بتحريك سيارته الجيب داخل مطار ثم رمى نفسه منها مع نيران مشتعلة فوق جسده وهو يصيح: «الله! الله!».
أين أنا؟ في بغداد؟ كابول؟ أم تل أبيب؟ لا أنا في انجلترا. لكن ذلك يمكن أن يكون في أي مكان في العالم. الشرق الأوسط: يقدم حاليا عرضا على مسرح قريب منك.
لكن هذا الفيلم يصبح أكثر فأكثر مثيرا للاستغراب والتشوش. فحينما شاهدته يوم 11 سبتمبر كان حول وجود أميركا في قلب الجزيرة العربية. وحينما شاهدته يوم 7 يوليو كان حول شباب مسلمين عاطلين عن العمل ومعزولين في بريطانيا. وفي الأردن وقبل فترة قصيرة كان الفيلم في فندق غربي أثناء حفلة عرس. وفي المغرب كان حول مقهى للانترنت. وقبل يومين في اليمن كان حول سياح اسبان سبعة تم قتلهم حينما قاد مهاجم انتحاري سيارته صوب موقع سياحي محلي. أليست اسبانيا هي البلد الذي انسحب من العراق تجنيبا لشعبها من التعرض للأذى؟
وبسبب انتشار هذه الأعمال على رقعة واسعة من العالم أصبحنا محتارين إزاء درجة الجنون التي يتمتع بها أولئك الذين وراء هذه الأعمال. خلال السنوات القليلة الأخيرة قام مئات من المسلمين بالانتحار وسط مدنيين أبرياء، من دون تقديم أي مطالب سياسية محددة ومن دون بروز أي إدانة قوية ومتواصلة من العالم المسلم لهم.
هناك سياقان يعملان في هذه الظاهرة: الإهانة والتشفي. فهوية الإسلام ترى أنه الأكثر تعبيرا عن رسالة الرب الواحد بين ديانات التوحيد والقرآن هو كلمة الله الأخيرة والأكثر كمالا. ولطرحها بطريقة أخرى، يمكن القول إن المسلمين الشباب تربوا على أن الإسلام هو الرب رقم 3 وأن المسيحية هي الرب 2 واليهودية هي الرب 1 أما الهندوسية والديانات الأخرى فهي الرب 0.
وأحد العوامل التي تدفع المسلمين الذكور، خصوصا المتعلمين، إلى أعمال التطرف والعنف الفعلي هو أنهم بينما درسوا بأنهم يمتلكون نظاما دينيا هو الأكمل، فهم يواجهون كل يوم حقيقة أن المجتمعات المحكومة بالرب 2 والرب 1 والرب 0 أكثر رخاء وقوة وديمقراطية من المجتمعات الإسلامية. وهذا يخلق شعورا بالتنافر والإهانة. كيف يمكن أن يحدث أمر كهذا؟ من فعل ذلك؟ إنهم الصليبيون! اليهود! الغرب! إنهم لا يستطيعون أن يفهموا السبب وراء ذلك وأن يتكيفوا أو يبنوا. هذا الشعور بالمهانة يخلق قوة دافعة للهجوم على الآخرين.
في السابق، كنت بحاجة إلى بنية تحتية للإرهاب مع قواعد في بيروت أو أفغانستان لكي تهاجم منها بطريقة واسعة. ما عاد هذا الأمر ممكنا. والآن أنت بحاجة إلى أفغانستان افتراضية ـ الانترنت وعدد قليل من الهواتف الجوالة ـ للتجنيد والتلقين والتخطيط والتنفيذ. لذلك فإن حالة التشفي، تتمثل في وجود مجاميع إرهابية صغيرة في كل مكان. وكل شخص منهم لديه أداة ما للقيام بنشاط إرهابي ما.
قال الجنرال مايكل هايدن مدير سي آي أيه مؤخرا إنه خلال الحرب الباردة كان «من السهل تشخيص العدو لكن من الصعب إنهاءه» لأن الاتحاد السوفياتي كان كبيرا وقويا. «كانت الاستخبارات مهمة لكنها مغطاة بالحاجة إلى قوة قتالية محضة».
أما في الحرب اليوم ضد الجماعات الإرهابية فهي «على العكس. فتصفية العدو سهلة لكن الصعوبة في العثور عليه. نحن اليوم نبحث عن أفراد أو جماعات صغيرة تخطط لهجمات انتحارية وتمتلك مواقع على الانترنت وتبعث المقاتلين إلى العراق»، حسبما قال هايدن.
أنا أمضي خطوة أبعد فأقول إن العثور على الاتحاد السوفياتي كان سهلا وعسيرا على القتل، لكن حال موته يصبح موته أبديا. فهو لا يمتلك طاقة مجددة لغياب القاعدة الجماهيرية المؤيدة له. بينما العثور على الإرهابيين في العراق ولندن لتصفيتهم أمر صعب. فهناك دائما مجندون جدد يبرزون على الساحة. بالتأكيد، ليس كل المسلمين إرهابيين ولكن الملاحظ أن كل المهاجمين الانتحاريين هم مسلمون. فالنرويجيون الغاضبون لن يقوموا بذلك ولا الأفارقة الجوعى أو المكسيكيون العاطلون عن العمل. على المسلمين أن يفهموا أن جذور ثقافة الموت وصلت إلى صميم دينهم، وهي تبحث عن تغذية مثل خلايا السرطان.
هذا السرطان راح يدمر المعايير الأولية للمدنية. وفي العراق رأينا مهاجمين انتحاريين يفجرون أنفسهم وسط الجنازات وداخل المدارس. وفي انجلترا، كان سبعة من الثمانية المحتجزين في المخطط الإرهابي الأخير هم أطباء مسلمون أو طلبة طب. أطباء يخططون لارتكاب أعمال قتل جماعي؟ هل يمكن تخيل ذلك؟ وإذا لم يتمكن الزعماء المسلمون من إزالة هذا السرطان، فإنه سينتشر، ليشوه معه سمعة المسلمين الأبرياء ويسمم علاقاتهم مع بقية العالم
Monday, 20 August 2007
الانقلابات في سوريا
في30آذار من العام 1949 ولما يمض على استقلال سوريا عن فرنساوتأسيس الجيش السوري الا فترة وجيزة قام الزعيم حسنيالزعيم بتدشين بشائر الأنقلابات العسكرية في المنطقة وفيسوريا تحديدا .وبناء على نصيحة أحد الأخوة في الملتقىاليوم بالأبتعاد عن ذكر عيوب موتانا وباعتبار أن حسنيالزعيم انتقل الى جوار ربه فلابد لي من أمرين : اما أنأتوقف عن المتابعة أو الى جهنم وبئس المصيروبما أنالثلج يهطل خارجا عندنا وبغزارة قد تخفف قليلامن وهجاللهب فأسمح لنفسي أن أقول لارحمه الله فقد فتح علىوطننا بابا لم يغلق ل21 عاما عانت سوريا فيها من الأهوالمالم تعانيه من المستعمر وأدت فيما أدت الى تأخرنا عسكرياواقتصاديا وعلميا واجتماعيا .عسكريا تشتت الجيش وتشرذم مع أول انطلاقة له وبعد عودةمن عاد منه من حرب فلسطين ويشهد التاريخ أن نسبة الضباطالسوريين الذين استشهدوا في حرب 1948 في فلسطين تفوقنسبة الجنود على عكس الجيوش العربية الأخرى .وهذا شرفيسجل للجيش السوري ويثبت أنه في حال توفرت القيادة الجيدةأنتجت جيشا مقاتلا بشرف .أول مافعله حسني الزعيم بعد تعطيل الدستور وحل مجلس النوابووضع رئيس الجمهورية في السجن التفاته الى حفلات المجونوأعدم كل من حكم بالأعدام مسبقا ولم ينفذ به الحكم فنصبتالمشانق ووقع الرعب في الرعية الخارجة من النضال ضد فرنساوحرب فلسطين .واتى الزعيم بمحسن البرازي رئيسا للوزارة وهومن الشخصيات السورية البارزة .وقامت الحكومة بعدة اتفاقات أبرزهامع شركة نفط العراق البريطانية بمد أنبوب النفط عبرسوريا الىطرابلس في لبنان .وضاق الشعب بتصرفات حسني الزعيم الى أنأوقعه تصرفه الخاطىء حين قام بتسليم أنطون سعادة رئيس الحزبالقومي السوري الى رياض الصلح رئيس وزراء لبنان الذي أجرىلسعادة محاكمة فورية وأعدمه في الحال .وهنا حقد الضباط من القوميين في الجيش السوري على حسني الزعيمواتفقوا مع رئيس أركانه سامي الحناوي على انهاء حكمه وفي 14 آب من نفس العام قام عدد من الضباط باعتقاله واعدامه علىطريق مطار المزة المدني وقتها ثم توجهوا الى منزل محسن البرازيرئيس الوزراء وافتحموا منزله ,فاختبأ البرازي في غرفة يستعملهاكمخزن للحطب فألقوا القبض على ابنه الشاب مما اضطره لتسليمنفسه اليهم للحفاظ على حياة ابنه, فاقتادوه الى نفس المنطقة وأعدموهوانتهت مرحلة حسني الزعيم والتي دامت عدة أشهر لكنها فتحتبابا لم يغلق وادت الى النتائج السلبية على سوريا .والملفت للنظر أن السيدة مودة الجابري أرملة المرحوم محسن البرازيلم تترك دم زوجها البريء يذهب هدرا وبقيت تحرض ابن عم زوجها حرشو البرازي واستطاع أن يغتال سامي الحناوي في محل لبيعالنظارات في بيروت في محلة المزرعة, ثم اعتقله رجال الشرطةاللبنانية واستطاعت السيدة الجابري أن تفرج عن ابن عم زوجها من السجنبعد مقابلتها للملك سعود بن عبد العزيز أثناء زيارة له الى لبنان وبوساطة منه وانتهت فترة الشهورالخمسة وابتدأت فترة الأنقلابات السورية
نتيجة لتصاعد حركة الاحتجاجات والمقاومة ونمو ظاهرة التحرر الوطني والقومي في سورية إضافة إلى الصراع الإقليمي والدولي المتعدد المصالح والاتجاهات بين بريطانيا وفرنسا كمحور صراع أساسي يبرد حيناً ويسخن أحياناً (وهو صراع مفهوم على مناطق النفوذ منذ نهاية الحرب العالمية الأولى)، فضلاً عن دخول الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا في الفترة ما بين الحربين؛ كل هذه المعطيات الداخلية والإقليمية والدولية جعلت الحكومة الفرنسية تجد نفسها مضطرة لإعطاء بعض الحرية النسبية في البلاد وتسمح اعتباراً من عام 1925 بتشكيل جمعية تأسيسية ودستور أساسي ولكن بشرط أن يتم تشكيل أحزاب تشرف على تنظيم الحياة السياسية في البلاد.
وبالفعل فقد بدأ العمل بين الأرستقراطيين الدمشقيين والحلبيين وتم تشكيل حزب الشعب (الذي نادى بالسيادة الوطنية ووحدة سورية الطبيعية والديمقراطية وتشجيع الصناعة الوطنية) في أواخر نيسان 1925 وكان من ابرز قيادييه عبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري وإحسان الشريف وغيرهم.
وكذلك الأمر، في تشرين الأول 1927 صدر بيان باسم الكتلة الوطنية التي ضمت أبرز الزعامات المحلية من الوطنيين والقوميين في سورية مثل إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي وغيرهم.
وبالفعل ففي نيسان 1928 جرت أول انتخابات للجمعية التأسيسية وضعت دستوراً للبلاد اقره المفوض السامي الفرنسي في 14/5/1930 مع بقاء شئون البلاد الحساسة (كالجيش والجمارك والأمن العام والأمور الخارجية وغيرها) بيد المفوضية العليا الفرنسية.
ورغم دخول هذه الأحزاب ضمن اللعبة البرلمانية والدستورية فإنها قد استمرت في نشاطاتها المناوئة للانتداب الفرنسي بالاحتجاجات والمنشورات والإضرابات والمظاهرات، وكان أهمها الإضراب الخمسيني فيما بين 19/1 و8/3/1936 والذي وجدت بعده السلطة الفرنسية نفسها مجبرة على توقيع معاهدة 9/9/1936. لكن هذه المعاهدة كانت من وجهة نظر المعارضة لا تحمل صفة الاستقلال الحقيقي وهي تفرط بمسائل وطنية هامة (كمسألة لواء الاسكندرون وحدود لبنان مع سورية وغيرها)، وازدادت وتيرة الاحتجاجات ما جعل المفوض السامي الفرنسي في 8/7/1939 يوقف العمل بالدستور ويحل المجلس النيابي لتعود سورية تحت الحكم العسكري الفرنسي المباشر منذ عام 1939 وحتى أيلول 1941 حين سُمح من جديد بقيام حكومة وطنية ائتلافية من صفوف الكتلة الوطنية وحزب الشعب وبرز خلال هذه الفترة السيد شكري القوتلي كزعيم للكتلة الوطنية.
واستمر النضال الوطني ضد الانتداب الفرنسي واجتمع المجلس النيابي من جديد في 17/8/1943 والذي سيطرت عليه أغلبية من الكتلة الوطنية وانتُخب القوتلي رئيساً للجمهورية السورية والذي كلف بدوره سعد الله الجابري بتشكيل الوزارة، وكان لهذا البرلمان ولهذه الحكومة ولحكومة فارس الخوري التي أتت بعدها مواقف مشرقة، أهمها رفض توقيع معاهدة مع فرنسا (تتمتع فيها بامتيازات داخل سورية) فقامت السلطات الفرنسية في 29/5/1945 بقصف دمشق للضغط على القوتلي لكن الاستمرار والصمود (إضافة إلى الضغوط الخارجية من بريطانيا وهيئة الأمم المتحدة) جعلت فرنسا تدفع ثمنا باهظا، ما دفعها إلى الموافقة على الجلاء عن سورية في آذار 1946 وتنفيذ هذا التعهد في 17/4/1946.
وما لبثت فرنسا تخرج من سورية ولبنان حتى بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا تسعيان إلى مد نفوذهما إلى هذه المنطقة الحساسة. وطُرحت مشروعات غربية عدة، كان من أهمها مشروع "سورية الكبرى". إذ ما أن حصل الأمير عبد الله في 22/3/1946 على استقلال الأردن حتى أعلن نفسه ملكاً على المملكة الهاشمية وباشر بإحياء مشروع سورية الكبرى، وفي آب 1946 وجه دعوة إلى سورية ولبنان للعمل على تنفيذ هذا المشروع، وفي 2/9/1947 وبعد اجتماعات ومداولات عاصفة في أروقة المجلس النيابي وتحت قبته استنكر هذا المجلس في بيان أذاعه هذه الدعوة، وفي 29/9/1947 أعلن المجلس عن رفضه التام لهذا المشروع واعتبره (مشروعاً تتستر خلفه مطامح شخصية ويحمل في طياته تفجيراً لميثاق الجامعة العربية وقيوداً استعمارية تمس استقلال البلاد ونظام الحكم فيها).
كما طرح مشروع آخر هو مشروع "الهلال الخصيب"، ويتلخص في محاولة إقامة اتحاد فيدرالي بين الأردن والعراق وسورية ولبنان، ولاقى هذا المشروع نفس المصير الذي لاقاه المشروع الأول، ولم يجد أحدا يتعاطف معه باستثناء الحزب القومي السوري الاجتماعي. وكان فشل هذين المشروعين انتصاراً هاماً للمحور المصري السعودي على المحور العراقي الهاشمي، وكان للبرلمان السوري والقوى السياسية السورية دور كبير في تحديد مستقبل سورية وانحيازها الإقليمي والدولي.
أما الحركة العمالية التي ازدهرت بشكل كبير فقد استطاعت عبر إضرابات متواصلة الحصول على أول تشريع للعمل، هو قانون العمل رقم 279، الذي شكل في حينه انتصاراً كبيراً للطبقة العاملة السورية وخفف الظلم والاستغلال عن هذه الطبقة.
موقف آخر مشرف وقفه البرلمان السوري ضد مشروع المرسوم 50 لعام 1946 الذي اقترح منح وزير الداخلية سلطة واسعة في ترخيص الأحزاب السياسية والجمعيات والمطبوعات، وقد وقفت جميع التنظيمات السياسية ضد هذا المشروع واعتبرته مخالفا للدستور ونظمت المظاهرات العارمة، ورفضه البرلمان في جلسته بتاريخ 14/11/1946.
وكذلك خاض البرلمان مع الأحزاب السياسية معركة تعديل قانون الانتخابات، ما جعل حكومة جميل مردم أمام ضغط البرلمان والأحزاب تسحب مشروع القانون. وفي أيار 1947 طُرحت على البرلمان مسألة تمثيل الاقليات الطائفية وحدثت مناقشات عاصفة وخرج البرلمان بإرادة قوية بجعل الانتخابات تتم على أساس قومي دون أي تمييز بسبب الدين أو المذهب أو الطائفة وبالفعل صدر هذا بموجب مرسوم في 4/6/1947 وفي هذا الوقت انعقد المؤتمر التأسيسي لحزب البعث في 4/4/1947 واستمر لمدة ثلاثة أيام، ونتج عنه صدور أول دستور للحزب أقر في مادته الرابعة عشرة أن نظام الحكم الذي يتبناه البعث هو نظام نيابي دستوري والسلطة التنفيذية مسئولة أمام السلطة التشريعية التي ينتخبها الشعب مباشرة. وقد تم الانقلاب على هذا الدستور فيما بعد (عندما تسلل العسكريون إلى الحزب).
في 17/7/1947 جرت أول انتخابات في ظل الاستقلال وكانت نتيجة هذه الانتخابات مجلساً حوى أغلب التكتلات السياسية النشطة على الساحة السياسية السورية واحتفظ فيها الحزب الوطني بأربعين مقعداً، في حين حصل الأحرار أو الشعبيون على 30 مقعداً، ونجح أكرم الحوراني عن حزب الشباب ورشاد برمدا عن الحزب القومي العربي في حين سقط عفلق والبيطار بالإضافة إلى جميل مردم عن الكتلة الجمهورية إضافة إلى اكثر من 50 من المستقلين.
وكانت القضية الأولى التي ناقشها برلمان 1947 هي تعديل الدستور بجعله يتيح لشكري القوتلي إعادة انتخابه رئيساً للجمهورية أربع سنوات أخرى، وبعد جلسات هائجة من النقاش والأخذ والرد اقر المجلس بإجماع أعضائه هذا الاقتراح في 18/4/1948 ووقف البعث حينها في المعارضة لهذا الاقتراح من خارج البرلمان واعتبر إعادة ترشيح القوتلي تجديداً للحكم الديكتاتوري ؟!!
ومن المواقف المشهودة للبرلمان السوري رفضه بالإجماع جميع مشروعات تقسيم فلسطين ودعوته الجماهير إلى التطوع في جيش الإنقاذ ووجوب مشاركة الجيش السوري في تحرير فلسطين. وبعد الهزيمة حمل البرلمان حكومة مردم مسئوليتها واتهمها بالفساد في تجهيز الجيش وبسرقة المجهود الحربي، وتحت الضغط البرلماني استقال الشراباتي (وزير الدفاع). ونتيجة للنقد المتزايد قام مردم بتعطيل عقد جلسات البرلمان، لكنه اضطر في النهاية بتاريخ 21/8/1948 إلى تقديم استقالة حكومته وتشكيل حكومة جديدة في 23/8/1948.
وكان من أهم نتائج النكبة على الصعيد الوطني بروز ظاهرة تدخل العسكريين في شئون الحكم وتحميلهم القوى التقليدية المسيطرة على البرلمان والحكومة (الوطني - الجمهوري - الشعب) مسئولية الهزيمة. وكان المجلس النيابي انعكاسا حقيقيا للجو السياسي المكهرب في البلاد ولم تخلُ جلساته من المشادات والاتهامات والمشاحنات الكلامية وأحيانا البدنية وتدخلت قوى الشرطة اكثر من مرة لفض هذه الاشتباكات.
وكان من نتيجة هذا الجو المشحون أن أجرى القوتلي حوارا شاملا مع ممثلي كل التنظيمات السياسية والحزبية في القصر الجمهوري بتاريخ 31/11/1948 دعاهم من خلاله إلى الوحدة الوطنية والى الاشتراك في وزارة ائتلافية وطنية تخرج بالبلاد من أزماتها. وبالفعل انهارت حكومة مردم الثانية وقدمت استقالتها في 1/12/1948 وكلف هاشم الاتاسي بتشكيل الوزارة الجديدة.
والملاحظ هنا أن شكري القوتلي - الزعيم المحنك الوطني المعروف - والذي كان ينتمي إلى الحزب الوطني قد استطاع أن يكون رئيساً للجميع وأن يقف على مسافات متساوية من كل القوى والتشكيلات السياسية والحزبية، ما أظهره بمظهر الزعيم الوطني الحيادي أمام الجماهير السورية بأسرها وأكسبه احترام وتجاوب الجميع معه. ولعل تكليفه هاشم الأتاسي المنتمي إلى حزب الشعب - العدو التقليدي لحزبه والمناقض التاريخي لمشروعه - كان من اكثر المواقف دلالة على هذا الموقع المتألق الذي احتله في تاريخ الحكم السياسي في سورية، إضافة إلى استقالته لصالح الرئيس جمال عبد الناصر أثناء الوحدة، وغيرها من المواقف النادرة التي يجب أن تُذكر للتاريخ.
ومن المواقف المشرقة للبرلمان السوري رفضه التصديق على اتفاقيتي النقد مع فرنسا والتابلاين مع أمريكا، وكذلك التحقيق مع العديد من العسكريين بتهم الفساد والاختلاس داخل الجيش. وكل هذا كما سنرى عجل في سعي العسكريين للانقضاض على الحكم المدني البرلماني وهذا ما حصل فعلاً مع انقلاب حسني الزعيم في آذار 1949. وبالفعل ففي 30/3/1949 وبأمر من العقيد حسني الزعيم قامت فصائل من الجيش بمحاصرة مباني رئاسة الدولة والبرلمان والوزارات واعتقل شكري القوتلي ورئيس الوزارة خالد العظم.
وكان من أولى المهام التي أنجزها العقيد القادم من الثكنات التوقيع على الاتفاقيتين اللتين رفضهما البرلمان سابقاً في 21/4/1949 للاتفاقية الأولى وفي 16/5/1949 للاتفاقية الثانية، ثم وقع اتفاقية الهدنة مع إسرائيل بتاريخ 20/7/ 1949 ما يشير بشكل واضح إلى دور المخابرات الفرنسية والأمريكية في هذا الانقلاب.
كما أنه أوقف التحقيقات البرلمانية مع الضباط المتهمين بالفساد، وأطلق سراح انطون بستاني المتهم الأساسي في قضايا الفساد في تموين الجيش وأعاده إلى منصبه وكان لرئيس حزب الشعب (الكيخيا) مقولة شهيرة في هذا الانقلاب عندما قال "ستعيش سورية 50 سنة على الأقل من الألم والاضطهاد من اجل أن تقضي على هذا الداء الذي أصيبت به"، ويقصد بالمرض هنا الانقلابات العسكرية.
قام الزعيم في 3/4/1949 بحل البرلمان وشكل لجنة دستورية لوضع دستور جديد ومشروع قانون انتخابي جديد وأعلن أن انتخاب رئيس الجمهورية سيتم بالاقتراع السري من الشعب مباشرة وليس من مجلس النواب وبدأت فكرة المرشح الوحيد بالظهور، إذ كان الزعيم هو المرشح الوحيد ونال النسبة الشهيرة 99.99 في المائة في انتخابات 25/6/1949 وبدأت أجهزة المخابرات بالنمو والتضخم، والتدخل العسكري في شئون البلاد بالنمو والتعاظم، وسجن الزعيم أغلب القيادات السياسية وعذبهم مثل الكيخيا والأتاسي وعفلق والبيطار وجلال السيد وغيرهم الكثير من القيادات الحزبية والشعبية والسياسية في تلك الفترة.
كما قام بتسليم انطون سعادة إلى لبنان لإعدامه، وبدأ بالاعتماد على الاقليات والجيش والمخابرات في حكمه. كل هذا عجل حدوث الانقلاب العسكري الثاني في تاريخ سورية الحديث، وهو انقلاب سامي الحناوي في 14/8/1949 حيث اعدم الزعيم والبرازي. وتشير المصادر إلى دور المخابرات البريطانية في هذا الانقلاب، وقد أعلن الحناوي منذ بداية انقلابه أن الجيش سيقوم بإنقاذ البلاد من الطاغية ثم سيعود إلى ثكناته وبالفعل فقد قام ببعض الخطوات، إذ أصدر قرارا برفع الحظر عن الأحزاب السياسية عدا الشيوعي والتعاوني الاشتراكي وشكل وزارة ائتلافية ضمت وزراء من حزب الشعب والحزب الوطني وحتى حزب الشباب وحزب البعث، وتم وضع قانون انتخابي جديد أكثر تطوراً من الذي سبقه وجرت انتخابات جديدة في 15/11 أسفرت عن نجاح 43 مرشحاً من حزب الشعب و42 مستقلاً نصفهم مناصرون لحزب الشعب ونجح مرشح واحد عن حزب البعث هو جلال السيد ومرشح واحد أيضاً عن الحزب القومي السوري و13 مرشح عن الحزب الوطني و4 مرشحين عن الجبهة الإسلامية ومرشح واحد عن حزب الشباب هو اكرم الحوراني.
وفي 14/12 انتخب هاشم الأتاسي رئيساً مؤقتاً للجمهورية، ريثما يتم تعديل الدستور. ومن المواقف الهامة التي اتخذها هذا البرلمان الجديد كان في الجلسة الرابعة في 17/12 حيث تمت مناقشة نص القسم الذي سيؤديه رئيس الجمهورية إذ قدم مؤيدو الاتحاد العراقي السوري نص القسم التالي: "أقسم بالله العظيم أن احترم قوانين الدولة وأحافظ على استقلال الوطن وسيادته وسلامة أراضيه وأصون أموال الدولة واعمل على تحقيق وحدة الأقطار العربية". وقد لاحظ المعارضون لهذا الاقتراح حذف الإشارة إلى المحافظة على النظام الجمهوري، ما فسره المعارضون على انه محاولة لتمهيد الطريق أمام مشروع وحدة سورية والعراق تحت عرش الوصي العراقي عبد الإله وتمت مناقشات ساخنة وصاخبة وكان من أهم المعارضين لهذا المشروع ممثلو الكتلة الإسلامية وعلى رأسهم السيد مصطفى السباعي وحزب الشباب مع كتلة أخرى سمت نفسها بالكتلة الجمهورية. لكن هذه المعارضة فشلت نظراً للأغلبية التي كانت يحظى بها حزب الشعب المؤيد للاتحاد مع العراق داخل هذا البرلمان.
ولم يطل العهد المنفتح نسبيا على سورية إذ سرعان ما قام الجيش بقيادة العقيد أديب الشيشكلي في 19/12 بالانقلاب الثالث في سورية واعتقل الحناوي وصهره اسعد طلس ومرة جديدة كان للاستقطاب الإقليمي بين المحورين الهاشمي من جهة والسعودي المصري من جهة ثانية دور وراء هذا الانقلاب وكان البلاغ الثاني للانقلاب في 26/12 واضحاً، إذ أعلن أن مشروع الاتحاد مع العراق هو مشروع استعماري الهدف منه القضاء على استقلال سورية وإنشاء عرش جديد يبعد هدف تحقيق الوحدة المنشودة.
ومن المواقف الهامة التي ناقشها البرلمان في هذه المرحلة كان مسألة علمانية الدولة ففي 22/7/1950 نوقشت بإسهاب المادة الثالثة من الدستور التي نصت على أن دين الدولة هو الإسلام حيث وقف ممثلو حزب البعث والشباب (وقد أصبح اسمه حينها العربي الاشتراكي) والحزب القومي السوري والحزب الشيوعي وبعض عناصر حزب الشعب إلى جانب وجوب أن تكون الدولة علمانية، أما التيار الثاني فقد تزعمته الجبهة الإسلامية وعلى رأسها الإخوان المسلمون، والحزب الوطني وبعض عناصر حزب الشعب، وأصر أنصار هذا التيار على وجوب بقاء المادة على ما هي عليه، وبالفعل فقد حقق أنصار التيار الأول نصرا نسبيا حيث عدلت المادة الثالثة من الدستور وأصبحت "الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع".
لكن عودة حزب الشعب بقوة إلى البرلمان والوزارة وخاصة بعد أن اضطر الرئيس هاشم الأتاسي إلى تشكيل وزارة جديدة برئاسة الدواليبي وبأغلبية شعبية وبعد تهديد مواقع العسكريين داخل الحكم قام الشيشكلي في 28/11/1951 بانقلابه الثاني واتهم الشيشكلي في بلاغه بأن الجيش استلم زمام الأمن في البلاد وبان حزب الشعب يتآمر على البلاد ويسعى إلى تخريب جيشه وإعادة الملكية ثم قام بحل البرلمان وبذلك يكون قد وجه ضربة مضاعفة إلى حزب الشعب وتسلم بنفسه مهام السلطتين التشريعية والتنفيذية.
ثم قام في 15/1/1952 بحظر نشاط الحزب الوطني وحزب الشعب والإخوان المسلمين والتعاوني الاشتراكي وأغلق مكاتبهم بالشمع الأحمر وأبقى على نشاط البعث والعربي الاشتراكي، ولكن سرعان ما قام في 6/4 من نفس العام بإجراء حظر عام على كل الأحزاب دون استثناء وعادت الأحزاب إلى النضال السري ضد "ديكتاتوريته". وقام الشيشكلي بتشكيل حركة سياسية خاصة به سماها "حركة التحرير العربي" التي انتخبته مسئولاً أول في مؤتمرها التأسيسي الذي عقدته في حلب بتاريخ 25/7/1952 ثم قام بتعديل الدستور بتاريخ 21/6/1953 وفيه حول النظام الحكومي من نظام نيابي إلى نظام رئاسي وقام بإجراء استفتاء عام بتاريخ 10/7/1953 نجم عنه الموافقة على التعديل ونجاح الشيشكلي المرشح الوحيد للرئاسة وكان من ابرز المؤيدين للشيشكلي إضافة إلى الحزب الذي شكله هو الحزب القومي السوري الاجتماعي.
في 30/7/1953 أصدر الشيشكلي قانونا جديدا للانتخابات خفض فيه عدد أعضاء البرلمان إلى 82 عضوا وسمح بعودة النشاط الحزبي مستثنياً الحزب الشيوعي. لكن القوى السياسية قاطعت الانتخابات باستثناء حركة التحرير التي حصلت على 72 مقعداً. أما المقاعد الباقية فكانت للقوميين السوريين وللمستقلين وانتخب مأمون الكزبري رئيساً لمجلس النواب. وقد شهدت سورية في هذه الفترة مرحلة خصبة من العمل السياسي بالمظاهرات والإضرابات والبيانات والحشود الجماهيرية ضد "ديكتاتورية الشيشكلي" فقام الشيشكلي بإعلان الأحكام العرفية واعتقل أغلب القيادات السياسية للأحزاب ومنهم (الكيخيا وعدنان الأتاسي والجابري والعسلي وعفلق والحوراني والبيطار) ووضع هاشم الأتاسي تحت الإقامة الجبرية ثم تراجع عن قراراته وشعر بالعزلة لكنه لم يستطع، إذ داهمه الانقلاب الرابع في 25/2/1954 ليضع نهاية لمرحلة الشيشكلي في سورية.
وقد تم هذا الانقلاب بالتعاون بين الأتاسي واتباعه داخل الجيش مع مصطفى حمدون وبعض الضباط البعثيين، وكان نتيجة الانقلاب استقالة الشيشكلي وسفره إلى بيروت وعودة الاتاسي لممارسة صلاحياته كرئيس للجمهورية (ثم عاد شكري القوتلي إلى الرئاسة بعد انتهاء فترة رئاسة الأتاسي في 18/8/1955)، وفي هذه الفترة كان المد القومي في اوجه بعد نجاح ثورة 23 تموز في مصر، وبدأت الحركات القومية في سورية تتخذ مكان الصدارة وتزداد قوة واتساعا وكان الوقوف ضد المشروعات الاستعمارية في أوجه، ولا سيما مشروع ايزنهاور، وكذلك الوقوف مع مصر ضد العدوان الثلاثي وطرح مسألة الوحدة مع مصر وكذلك مواجهة التهديدات التركية لسورية وبلغ الشعور الوحدوي مداه بعد نزول طلائع القوات المصرية في ميناء اللاذقية في تشرين الأول 1957.
أما على الصعيد البرلماني فمن المواقف التي اتخذها البرلمان في 27/6 أنه أقر المجلس قانون الانتخابات الجديد وتم فيه زيادة عدد النواب إلى 142 كما اقر نظام الاقتراع السري وحدد موعد الانتخابات في 20/8/1954.
في 30/7 أعلن الحزب الوطني مقاطعة الانتخابات احتجاجاً على تدخل الضباط البعثيين في شئون السياسة وتجاوز مهامهم خارج حدود ثكناتهم وهاجم انتشار الحزبية داخل الجيش ما أبعد الجيش عن أداء واجبه المقدس في الدفاع عن الوطن وقد قام الأتاسي بتأجيل موعد الانتخابات من 20/8 إلى 24/9 لإقناع الحزب الوطني وحزب الشعب لدخول الانتخابات وبالفعل قرر حزب الشعب العودة عن قراره مقاطعة الانتخابات حيث قرر في 18/8 دخولها وكذلك الحزب الوطني.
وقد جرت الانتخابات على جولتين وعكست بشكل واضح تقدم الحركة القومية العربية والحركة اليسارية فحصل البعث على 16 مقعداً في حين حصل حزب الشعب على 30 مقعداً، أما الحزب الوطني فقد حصل على 19 مقعداً. وشهد هذا البرلمان في مناقشاته صراعا مريرا بين اليمين واليسار، وتجلى هذا الصراع في مناقشة مشروع الموازنة لعام 1955 وركز البرلمان الجديد على البرامج الاجتماعية والاقتصادية للحكومة وكان لاغتيال عدنان المالكي في 22/4/1955 أثر كبير على نمو وازدهار الحركات القومية واليسارية وتراجع الحزب القومي السوري وضرب قواعده واعتقال كوادره.
وفي 5/2/1958 وافق البرلمان على قرار تاريخي بالمصادقة على اتفاقية الوحدة وتحويل سورية إلى إقليم شمالي في الجمهورية العربية المتحدة وترشيح جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية، وحلت الأحزاب السياسية في سورية نفسها. وسرعان ما بدأت الخلافات بين البعث وقيادة عبد الناصر، وأعاد البعث تنظيم صفوفه وبدأت نشراته بالظهور والتهجم على سياسات عبد الناصر.
وفي 21/2 جرى الاستفتاء على الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة الذي نص فيما يختص بالسلطة التشريعية على أن يتولاها مجلس سمي بمجلس الأمة على أن يكون نصفه من مجلس النواب السوري والنصف الآخر من مجلس الأمة المصري، ولم تدم هذه الوحدة التاريخية طويلا فسرعان ما انقض عليها العسكريون مرة أخرى وبتشجيع مباشر من البعثيين المدنيين والعسكريين والقوى الرجعية والشيوعيين وبدعم إقليمي وخارجي توضح من خلال الاعتراف السريع بولادة سورية المنفصلة من جديد.
بعد الانفصال ولدت الحركة الناصرية على خريطة الحياة السياسية في سورية وبدأت التنظيمات الناصرية بالظهور وترافقت مع تصاعد الحركة الجماهيرية التي لم تهدأ للقضاء على حكم الانفصال.
في كانون الأول 1961 جرت انتخابات جديدة للبرلمان السوري اشترك فيها اكثر رجالات الأحزاب المنحلة (الوطني والشعب والبعث الإخوان والقومي السوري) وكلف الدواليبي في 20/12 بتشكيل الوزارة فشكلت بأكثرية من حزب الشعب والحزب الوطني وتقدمت هذه الوزارة إلى البرلمان بمشروع جديد لإلغاء التأميم وتعديل قانون الإصلاح الزراعي واستطاعت الحصول على موافقة البرلمان رغم بعض الاعتراضات من كتلة البعث (8 مقاعد) ورغم الاحتجاجات الجماهيرية الغاضبة.
وفي 28/3/1962 قام النحلاوي بانقلاب عسكري حل فيه البرلمان وأقال حكومة الدواليبي وزج بأكثر أعضائها في السجن وبدأت الحياة الديمقراطية في سورية تدخل من جديد النفق المظلم الذي سيرافقها طويلا منذ ذلك التاريخ. ورغم أن النحلاوي حاول مد يده إلى الناصريين فإن التنظيمات الناصرية رفضت كل تعاون مع أي نظام انفصالي لا يعلن إعادة الوحدة فوراً مع مصر، وبدأت حركة العصيانات المدنية والعسكرية تتصاعد ما اضطر القيادة العسكرية الجديدة إلى أن تفرج عن المعتقلين وان تسمح بالنشاط الحزبي وحرية الصحافة والتظاهر، وأن تعيد تأميم معمل الغزل والنسيج التابع للشركة الخماسية وان تلغي التعديل الذي أجرته حكومة الدواليبي على قانون الإصلاح الزراعي وان تعيده كما كان أثناء فترة حكم الوحدة.
وكانت حركة 8 آذار 1963 بمثابة رصاصة الرحمة على حكم الانفصال المتهاوي وتشكل بعدها مجلس وطني لقيادة الثورة سيطر عليه العسكريون بقيادة اللواء لؤي الأتاسي وبدأ البعث يقوي نفوذه داخل مؤسسات الدولة ولا سيما الجيش وترافق ذلك مع ظهور مفهوم الحزب القائد والنظام الديمقراطي الشعبي والقضاء على أعداء الشعب. وتحت لافتة هذه الشعارات قمعت المظاهرات بشراسة والتي كان ينظمها الناصريون من أجل الضغط باتجاه إعادة الوحدة مع مصر وانتهى الأمر بمجزرة 18/7/1963 إثر محاولة الانقلاب الفاشلة لجاسم علوان ومن ثم حدثت القطيعة النهائية بين الناصريين والبعثيين.
وبدأ البعث يقدم نموذجا للحكم يتناقض كليا مع ما كان يناضل من اجله في الأربعينات والخمسينات، وبدأ بقمع الحركات الاحتجاجية واصدر مجلس قيادة الثورة في 26/4/1964 قانونا يعتبر فيه إغلاق المحلات بغاية الإضراب جريمة تستوجب عقوبة 20 عاما داخل السجن إضافة إلى مصادرة المحل.
واتضح في حزيران 1965 شكل نظام الحكم الذي اقره المؤتمر القطري الاستثنائي لحزب البعث الذي أوصى بأن يتولى مجلس قيادة الثورة الذي يسيطر عليه العسكريون السلطة التشريعية والإشراف على السلطة التنفيذية. كما اعتبر أن التنظيم السياسي في سورية هو حزب البعث وهو الحزب القائد وكل السلطات عليها أن تنفذ مبادئ هذا الحزب ومقررات مؤتمراته.
وبعد حركة 23/2/1966 تحولت السلطة المطلقة من المجلس الوطني لقيادة الثورة إلى القيادة القطرية لحزب البعث التي أصبحت مصدر كل السلطات وأصبح المؤتمر العام للحزب هو البرلمان الذي يرسم السياسة العامة للحكومة. وبعد النضال الطويل الذي خاضه البعث من اجل الديمقراطية والحياة النيابية أصبح الفهم البعثي الجديد للديمقراطية أنها "بناء وليست نظام حكم". وجاءت المنطلقات النظرية للحزب بعد 8 آذار تحمل نفس رائحة كتاب "ما العمل" الذي ألفه لينين، وساد وقع الحزب الواحد أو كما يفضل البعثيون أن يسموه "الحزب القائد"، واستمر الوضع على حاله من القمع والاستبداد حتى 16/11/1970 بعد انقسامات وصراعات مريرة بين العسكريين داخل البعث.
وحاولت الحركة التصحيحية أن تؤسس لنفسها شرعية دستورية، إذ انفتحت نسبياً على القوى الناصرية والشيوعية وعينت مجلس شعب مؤقتاً تألف حينه من 173 عضواً، وهو (رغم أنه كان مجلساً معيناً) فإنه كان أول برلمان في ظل حكم البعث وتم وضع دستور دائم للبلاد والتوقيع على ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية في 7/3/1972.
ومنذ عام 1970 وحتى اليوم تحول البرلمان السوري إلى مؤسسة تعيش عطالة شبه كاملة وأي صوت نيابي يتعرض لسياسات الحكومة والنظام يتم قمعه بشدة، وهذا ما حصل مؤخراً مع النائبين المستقلين مأمون الحمصي ورياض سيف اللذين رُفعت الحصانة عنهما في ليلة وضحاها عندما تجاوزا الخطوط الحمراء، بتعرض سيف لموضوع الهاتف النقال واتهامه الحكومة بإجراء صفقته تحت الطاولة وتأسيسه منتدى الحوار الوطني رغم رفض السلطات إعطائه الترخيص ومشاركته الفعالة في لجان إحياء المجتمع المدني وفي الجمعية السورية لحقوق الإنسان وإعلانه عن رغبته في إنشاء حزب ليبرالي جديد. في حين قام الحمصي بتنظيم اعتصام في مكتبه وبتوزيع بيان يطالب فيه بالحريات العامة وسيادة القانون ومحاربة الفساد وإعادة الهيبة إلى البرلمان. فحُكم على الاثنين بخمس سنوات سجن لكل منهما.
وسبق ذلك حدث ملفت مع النائب منذر الموصلي حين ناقش تعديل إحدى مواد الدستور في حزيران 2000 حيث هاجمه رئيس المجلس واتهمه "بأن نفسه أمرته بالسوء فردعها"، وما عدا ذلك فإن المجلس لم تتخط مناقشاته تلك القبة التي لم يعد يكترث بها أحد.
أما الانتخابات النيابية فقد تحولت إلى احتفالات كرنفالية وفلكلورية تعقد فيها الدبكات وتوزع القهوة المرة وتُقام الولائم وتوزع علب السمن وأكياس الأرز دون أي برامج انتخابية أو لقاءات جماهيرية حقيقية وتحول المجلس في عيون الناس إلى مكان للحصول على الامتيازات، للحصول على رخصة استيراد سيارة أو من أجل "البروظة" والوجاهة العشائرية وكثيراً ما يلمز المواطنون بالمجلس بكلمة "موافقين"، إشارة إلى الدور الذي يقوم به البرلمان في الموافقة فقط على ما تطلبه منه الحكومة.
لقد عاشت سورية منذ نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات تجربة برلمانية مثيرة وفريدة، كانت بكل عجرها وبجرها ترسم صورة الحياة السياسية في سورية. وقد شهدت هذه التجربة أحوالا متناقضة من الصعود والهبوط في مواقفها وخطها البياني وعبرت من خلال هذا الخط عن تطور الحالة الديمقراطية في سورية.
والسؤال المطروح اليوم هو عن البرلمان الجديد الذي سنكون على موعد مع استحقاق انتخاباته بعد شهور قليلة، وهل سيكون هذا البرلمان علامة فاصلة في هذا التاريخ العريق أم أنه لن يكون اكثر من مجرد موعد اعتدنا مجيئه كل أربع سنوات وموسم للخطاطين والمطابع وبائعي الزهور ليس أكثر؟
لا شك أن العهد الجديد بقيادة الرئيس بشار الأسد قد أشار في خطاب القسم إلى تطوير هذه المؤسسة التشريعية الهامة، ولا شك أن تطويرها وإشرك الرأي الآخر فيها أمر حيوي في مسيرة التطوير والتحديث التي عنون فيها المرحلة القادمة في سورية. فهل سيكون الاستحقاق المقبل محطة فاصلة في هذا العنوان لإعادة البرلمان إلى الناس وإعادة الناس إليه؟ أم سيبقى البرلمان بالنسبة للناس مجرد برنامج أسبوعي تحت عنوان "الكلمة الحرة" كثيرون ممن هم مثلي لا يشاهدونه إطلاقاً!!
__________
* كاتب وناشط سوري في الدفاع عن حقوق الإنسان - حلب
مراجع: الحركة القومية في سورية 1948 - 1967 (د. نجاح محمد)، الأحزاب والحركات القومية العربية (جمال باروت مع بعض الباحثين)، في سبيل البعث (ميشيل عفلق)، مذكرات أكرم الحوراني، الهزيمة والأيديولوجية المهزومة (ياسين الحافظ)، الصراع على سورية (باتريك سيل)، نضال البعث (منشورات البعث)، مقررات المؤتمرات القطرية والقومية لحزب البعث.
نتيجة لتصاعد حركة الاحتجاجات والمقاومة ونمو ظاهرة التحرر الوطني والقومي في سورية إضافة إلى الصراع الإقليمي والدولي المتعدد المصالح والاتجاهات بين بريطانيا وفرنسا كمحور صراع أساسي يبرد حيناً ويسخن أحياناً (وهو صراع مفهوم على مناطق النفوذ منذ نهاية الحرب العالمية الأولى)، فضلاً عن دخول الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا في الفترة ما بين الحربين؛ كل هذه المعطيات الداخلية والإقليمية والدولية جعلت الحكومة الفرنسية تجد نفسها مضطرة لإعطاء بعض الحرية النسبية في البلاد وتسمح اعتباراً من عام 1925 بتشكيل جمعية تأسيسية ودستور أساسي ولكن بشرط أن يتم تشكيل أحزاب تشرف على تنظيم الحياة السياسية في البلاد.
وبالفعل فقد بدأ العمل بين الأرستقراطيين الدمشقيين والحلبيين وتم تشكيل حزب الشعب (الذي نادى بالسيادة الوطنية ووحدة سورية الطبيعية والديمقراطية وتشجيع الصناعة الوطنية) في أواخر نيسان 1925 وكان من ابرز قيادييه عبد الرحمن الشهبندر وفارس الخوري وإحسان الشريف وغيرهم.
وكذلك الأمر، في تشرين الأول 1927 صدر بيان باسم الكتلة الوطنية التي ضمت أبرز الزعامات المحلية من الوطنيين والقوميين في سورية مثل إبراهيم هنانو وهاشم الأتاسي وغيرهم.
وبالفعل ففي نيسان 1928 جرت أول انتخابات للجمعية التأسيسية وضعت دستوراً للبلاد اقره المفوض السامي الفرنسي في 14/5/1930 مع بقاء شئون البلاد الحساسة (كالجيش والجمارك والأمن العام والأمور الخارجية وغيرها) بيد المفوضية العليا الفرنسية.
ورغم دخول هذه الأحزاب ضمن اللعبة البرلمانية والدستورية فإنها قد استمرت في نشاطاتها المناوئة للانتداب الفرنسي بالاحتجاجات والمنشورات والإضرابات والمظاهرات، وكان أهمها الإضراب الخمسيني فيما بين 19/1 و8/3/1936 والذي وجدت بعده السلطة الفرنسية نفسها مجبرة على توقيع معاهدة 9/9/1936. لكن هذه المعاهدة كانت من وجهة نظر المعارضة لا تحمل صفة الاستقلال الحقيقي وهي تفرط بمسائل وطنية هامة (كمسألة لواء الاسكندرون وحدود لبنان مع سورية وغيرها)، وازدادت وتيرة الاحتجاجات ما جعل المفوض السامي الفرنسي في 8/7/1939 يوقف العمل بالدستور ويحل المجلس النيابي لتعود سورية تحت الحكم العسكري الفرنسي المباشر منذ عام 1939 وحتى أيلول 1941 حين سُمح من جديد بقيام حكومة وطنية ائتلافية من صفوف الكتلة الوطنية وحزب الشعب وبرز خلال هذه الفترة السيد شكري القوتلي كزعيم للكتلة الوطنية.
واستمر النضال الوطني ضد الانتداب الفرنسي واجتمع المجلس النيابي من جديد في 17/8/1943 والذي سيطرت عليه أغلبية من الكتلة الوطنية وانتُخب القوتلي رئيساً للجمهورية السورية والذي كلف بدوره سعد الله الجابري بتشكيل الوزارة، وكان لهذا البرلمان ولهذه الحكومة ولحكومة فارس الخوري التي أتت بعدها مواقف مشرقة، أهمها رفض توقيع معاهدة مع فرنسا (تتمتع فيها بامتيازات داخل سورية) فقامت السلطات الفرنسية في 29/5/1945 بقصف دمشق للضغط على القوتلي لكن الاستمرار والصمود (إضافة إلى الضغوط الخارجية من بريطانيا وهيئة الأمم المتحدة) جعلت فرنسا تدفع ثمنا باهظا، ما دفعها إلى الموافقة على الجلاء عن سورية في آذار 1946 وتنفيذ هذا التعهد في 17/4/1946.
وما لبثت فرنسا تخرج من سورية ولبنان حتى بدأت الولايات المتحدة وبريطانيا تسعيان إلى مد نفوذهما إلى هذه المنطقة الحساسة. وطُرحت مشروعات غربية عدة، كان من أهمها مشروع "سورية الكبرى". إذ ما أن حصل الأمير عبد الله في 22/3/1946 على استقلال الأردن حتى أعلن نفسه ملكاً على المملكة الهاشمية وباشر بإحياء مشروع سورية الكبرى، وفي آب 1946 وجه دعوة إلى سورية ولبنان للعمل على تنفيذ هذا المشروع، وفي 2/9/1947 وبعد اجتماعات ومداولات عاصفة في أروقة المجلس النيابي وتحت قبته استنكر هذا المجلس في بيان أذاعه هذه الدعوة، وفي 29/9/1947 أعلن المجلس عن رفضه التام لهذا المشروع واعتبره (مشروعاً تتستر خلفه مطامح شخصية ويحمل في طياته تفجيراً لميثاق الجامعة العربية وقيوداً استعمارية تمس استقلال البلاد ونظام الحكم فيها).
كما طرح مشروع آخر هو مشروع "الهلال الخصيب"، ويتلخص في محاولة إقامة اتحاد فيدرالي بين الأردن والعراق وسورية ولبنان، ولاقى هذا المشروع نفس المصير الذي لاقاه المشروع الأول، ولم يجد أحدا يتعاطف معه باستثناء الحزب القومي السوري الاجتماعي. وكان فشل هذين المشروعين انتصاراً هاماً للمحور المصري السعودي على المحور العراقي الهاشمي، وكان للبرلمان السوري والقوى السياسية السورية دور كبير في تحديد مستقبل سورية وانحيازها الإقليمي والدولي.
أما الحركة العمالية التي ازدهرت بشكل كبير فقد استطاعت عبر إضرابات متواصلة الحصول على أول تشريع للعمل، هو قانون العمل رقم 279، الذي شكل في حينه انتصاراً كبيراً للطبقة العاملة السورية وخفف الظلم والاستغلال عن هذه الطبقة.
موقف آخر مشرف وقفه البرلمان السوري ضد مشروع المرسوم 50 لعام 1946 الذي اقترح منح وزير الداخلية سلطة واسعة في ترخيص الأحزاب السياسية والجمعيات والمطبوعات، وقد وقفت جميع التنظيمات السياسية ضد هذا المشروع واعتبرته مخالفا للدستور ونظمت المظاهرات العارمة، ورفضه البرلمان في جلسته بتاريخ 14/11/1946.
وكذلك خاض البرلمان مع الأحزاب السياسية معركة تعديل قانون الانتخابات، ما جعل حكومة جميل مردم أمام ضغط البرلمان والأحزاب تسحب مشروع القانون. وفي أيار 1947 طُرحت على البرلمان مسألة تمثيل الاقليات الطائفية وحدثت مناقشات عاصفة وخرج البرلمان بإرادة قوية بجعل الانتخابات تتم على أساس قومي دون أي تمييز بسبب الدين أو المذهب أو الطائفة وبالفعل صدر هذا بموجب مرسوم في 4/6/1947 وفي هذا الوقت انعقد المؤتمر التأسيسي لحزب البعث في 4/4/1947 واستمر لمدة ثلاثة أيام، ونتج عنه صدور أول دستور للحزب أقر في مادته الرابعة عشرة أن نظام الحكم الذي يتبناه البعث هو نظام نيابي دستوري والسلطة التنفيذية مسئولة أمام السلطة التشريعية التي ينتخبها الشعب مباشرة. وقد تم الانقلاب على هذا الدستور فيما بعد (عندما تسلل العسكريون إلى الحزب).
في 17/7/1947 جرت أول انتخابات في ظل الاستقلال وكانت نتيجة هذه الانتخابات مجلساً حوى أغلب التكتلات السياسية النشطة على الساحة السياسية السورية واحتفظ فيها الحزب الوطني بأربعين مقعداً، في حين حصل الأحرار أو الشعبيون على 30 مقعداً، ونجح أكرم الحوراني عن حزب الشباب ورشاد برمدا عن الحزب القومي العربي في حين سقط عفلق والبيطار بالإضافة إلى جميل مردم عن الكتلة الجمهورية إضافة إلى اكثر من 50 من المستقلين.
وكانت القضية الأولى التي ناقشها برلمان 1947 هي تعديل الدستور بجعله يتيح لشكري القوتلي إعادة انتخابه رئيساً للجمهورية أربع سنوات أخرى، وبعد جلسات هائجة من النقاش والأخذ والرد اقر المجلس بإجماع أعضائه هذا الاقتراح في 18/4/1948 ووقف البعث حينها في المعارضة لهذا الاقتراح من خارج البرلمان واعتبر إعادة ترشيح القوتلي تجديداً للحكم الديكتاتوري ؟!!
ومن المواقف المشهودة للبرلمان السوري رفضه بالإجماع جميع مشروعات تقسيم فلسطين ودعوته الجماهير إلى التطوع في جيش الإنقاذ ووجوب مشاركة الجيش السوري في تحرير فلسطين. وبعد الهزيمة حمل البرلمان حكومة مردم مسئوليتها واتهمها بالفساد في تجهيز الجيش وبسرقة المجهود الحربي، وتحت الضغط البرلماني استقال الشراباتي (وزير الدفاع). ونتيجة للنقد المتزايد قام مردم بتعطيل عقد جلسات البرلمان، لكنه اضطر في النهاية بتاريخ 21/8/1948 إلى تقديم استقالة حكومته وتشكيل حكومة جديدة في 23/8/1948.
وكان من أهم نتائج النكبة على الصعيد الوطني بروز ظاهرة تدخل العسكريين في شئون الحكم وتحميلهم القوى التقليدية المسيطرة على البرلمان والحكومة (الوطني - الجمهوري - الشعب) مسئولية الهزيمة. وكان المجلس النيابي انعكاسا حقيقيا للجو السياسي المكهرب في البلاد ولم تخلُ جلساته من المشادات والاتهامات والمشاحنات الكلامية وأحيانا البدنية وتدخلت قوى الشرطة اكثر من مرة لفض هذه الاشتباكات.
وكان من نتيجة هذا الجو المشحون أن أجرى القوتلي حوارا شاملا مع ممثلي كل التنظيمات السياسية والحزبية في القصر الجمهوري بتاريخ 31/11/1948 دعاهم من خلاله إلى الوحدة الوطنية والى الاشتراك في وزارة ائتلافية وطنية تخرج بالبلاد من أزماتها. وبالفعل انهارت حكومة مردم الثانية وقدمت استقالتها في 1/12/1948 وكلف هاشم الاتاسي بتشكيل الوزارة الجديدة.
والملاحظ هنا أن شكري القوتلي - الزعيم المحنك الوطني المعروف - والذي كان ينتمي إلى الحزب الوطني قد استطاع أن يكون رئيساً للجميع وأن يقف على مسافات متساوية من كل القوى والتشكيلات السياسية والحزبية، ما أظهره بمظهر الزعيم الوطني الحيادي أمام الجماهير السورية بأسرها وأكسبه احترام وتجاوب الجميع معه. ولعل تكليفه هاشم الأتاسي المنتمي إلى حزب الشعب - العدو التقليدي لحزبه والمناقض التاريخي لمشروعه - كان من اكثر المواقف دلالة على هذا الموقع المتألق الذي احتله في تاريخ الحكم السياسي في سورية، إضافة إلى استقالته لصالح الرئيس جمال عبد الناصر أثناء الوحدة، وغيرها من المواقف النادرة التي يجب أن تُذكر للتاريخ.
ومن المواقف المشرقة للبرلمان السوري رفضه التصديق على اتفاقيتي النقد مع فرنسا والتابلاين مع أمريكا، وكذلك التحقيق مع العديد من العسكريين بتهم الفساد والاختلاس داخل الجيش. وكل هذا كما سنرى عجل في سعي العسكريين للانقضاض على الحكم المدني البرلماني وهذا ما حصل فعلاً مع انقلاب حسني الزعيم في آذار 1949. وبالفعل ففي 30/3/1949 وبأمر من العقيد حسني الزعيم قامت فصائل من الجيش بمحاصرة مباني رئاسة الدولة والبرلمان والوزارات واعتقل شكري القوتلي ورئيس الوزارة خالد العظم.
وكان من أولى المهام التي أنجزها العقيد القادم من الثكنات التوقيع على الاتفاقيتين اللتين رفضهما البرلمان سابقاً في 21/4/1949 للاتفاقية الأولى وفي 16/5/1949 للاتفاقية الثانية، ثم وقع اتفاقية الهدنة مع إسرائيل بتاريخ 20/7/ 1949 ما يشير بشكل واضح إلى دور المخابرات الفرنسية والأمريكية في هذا الانقلاب.
كما أنه أوقف التحقيقات البرلمانية مع الضباط المتهمين بالفساد، وأطلق سراح انطون بستاني المتهم الأساسي في قضايا الفساد في تموين الجيش وأعاده إلى منصبه وكان لرئيس حزب الشعب (الكيخيا) مقولة شهيرة في هذا الانقلاب عندما قال "ستعيش سورية 50 سنة على الأقل من الألم والاضطهاد من اجل أن تقضي على هذا الداء الذي أصيبت به"، ويقصد بالمرض هنا الانقلابات العسكرية.
قام الزعيم في 3/4/1949 بحل البرلمان وشكل لجنة دستورية لوضع دستور جديد ومشروع قانون انتخابي جديد وأعلن أن انتخاب رئيس الجمهورية سيتم بالاقتراع السري من الشعب مباشرة وليس من مجلس النواب وبدأت فكرة المرشح الوحيد بالظهور، إذ كان الزعيم هو المرشح الوحيد ونال النسبة الشهيرة 99.99 في المائة في انتخابات 25/6/1949 وبدأت أجهزة المخابرات بالنمو والتضخم، والتدخل العسكري في شئون البلاد بالنمو والتعاظم، وسجن الزعيم أغلب القيادات السياسية وعذبهم مثل الكيخيا والأتاسي وعفلق والبيطار وجلال السيد وغيرهم الكثير من القيادات الحزبية والشعبية والسياسية في تلك الفترة.
كما قام بتسليم انطون سعادة إلى لبنان لإعدامه، وبدأ بالاعتماد على الاقليات والجيش والمخابرات في حكمه. كل هذا عجل حدوث الانقلاب العسكري الثاني في تاريخ سورية الحديث، وهو انقلاب سامي الحناوي في 14/8/1949 حيث اعدم الزعيم والبرازي. وتشير المصادر إلى دور المخابرات البريطانية في هذا الانقلاب، وقد أعلن الحناوي منذ بداية انقلابه أن الجيش سيقوم بإنقاذ البلاد من الطاغية ثم سيعود إلى ثكناته وبالفعل فقد قام ببعض الخطوات، إذ أصدر قرارا برفع الحظر عن الأحزاب السياسية عدا الشيوعي والتعاوني الاشتراكي وشكل وزارة ائتلافية ضمت وزراء من حزب الشعب والحزب الوطني وحتى حزب الشباب وحزب البعث، وتم وضع قانون انتخابي جديد أكثر تطوراً من الذي سبقه وجرت انتخابات جديدة في 15/11 أسفرت عن نجاح 43 مرشحاً من حزب الشعب و42 مستقلاً نصفهم مناصرون لحزب الشعب ونجح مرشح واحد عن حزب البعث هو جلال السيد ومرشح واحد أيضاً عن الحزب القومي السوري و13 مرشح عن الحزب الوطني و4 مرشحين عن الجبهة الإسلامية ومرشح واحد عن حزب الشباب هو اكرم الحوراني.
وفي 14/12 انتخب هاشم الأتاسي رئيساً مؤقتاً للجمهورية، ريثما يتم تعديل الدستور. ومن المواقف الهامة التي اتخذها هذا البرلمان الجديد كان في الجلسة الرابعة في 17/12 حيث تمت مناقشة نص القسم الذي سيؤديه رئيس الجمهورية إذ قدم مؤيدو الاتحاد العراقي السوري نص القسم التالي: "أقسم بالله العظيم أن احترم قوانين الدولة وأحافظ على استقلال الوطن وسيادته وسلامة أراضيه وأصون أموال الدولة واعمل على تحقيق وحدة الأقطار العربية". وقد لاحظ المعارضون لهذا الاقتراح حذف الإشارة إلى المحافظة على النظام الجمهوري، ما فسره المعارضون على انه محاولة لتمهيد الطريق أمام مشروع وحدة سورية والعراق تحت عرش الوصي العراقي عبد الإله وتمت مناقشات ساخنة وصاخبة وكان من أهم المعارضين لهذا المشروع ممثلو الكتلة الإسلامية وعلى رأسهم السيد مصطفى السباعي وحزب الشباب مع كتلة أخرى سمت نفسها بالكتلة الجمهورية. لكن هذه المعارضة فشلت نظراً للأغلبية التي كانت يحظى بها حزب الشعب المؤيد للاتحاد مع العراق داخل هذا البرلمان.
ولم يطل العهد المنفتح نسبيا على سورية إذ سرعان ما قام الجيش بقيادة العقيد أديب الشيشكلي في 19/12 بالانقلاب الثالث في سورية واعتقل الحناوي وصهره اسعد طلس ومرة جديدة كان للاستقطاب الإقليمي بين المحورين الهاشمي من جهة والسعودي المصري من جهة ثانية دور وراء هذا الانقلاب وكان البلاغ الثاني للانقلاب في 26/12 واضحاً، إذ أعلن أن مشروع الاتحاد مع العراق هو مشروع استعماري الهدف منه القضاء على استقلال سورية وإنشاء عرش جديد يبعد هدف تحقيق الوحدة المنشودة.
ومن المواقف الهامة التي ناقشها البرلمان في هذه المرحلة كان مسألة علمانية الدولة ففي 22/7/1950 نوقشت بإسهاب المادة الثالثة من الدستور التي نصت على أن دين الدولة هو الإسلام حيث وقف ممثلو حزب البعث والشباب (وقد أصبح اسمه حينها العربي الاشتراكي) والحزب القومي السوري والحزب الشيوعي وبعض عناصر حزب الشعب إلى جانب وجوب أن تكون الدولة علمانية، أما التيار الثاني فقد تزعمته الجبهة الإسلامية وعلى رأسها الإخوان المسلمون، والحزب الوطني وبعض عناصر حزب الشعب، وأصر أنصار هذا التيار على وجوب بقاء المادة على ما هي عليه، وبالفعل فقد حقق أنصار التيار الأول نصرا نسبيا حيث عدلت المادة الثالثة من الدستور وأصبحت "الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع".
لكن عودة حزب الشعب بقوة إلى البرلمان والوزارة وخاصة بعد أن اضطر الرئيس هاشم الأتاسي إلى تشكيل وزارة جديدة برئاسة الدواليبي وبأغلبية شعبية وبعد تهديد مواقع العسكريين داخل الحكم قام الشيشكلي في 28/11/1951 بانقلابه الثاني واتهم الشيشكلي في بلاغه بأن الجيش استلم زمام الأمن في البلاد وبان حزب الشعب يتآمر على البلاد ويسعى إلى تخريب جيشه وإعادة الملكية ثم قام بحل البرلمان وبذلك يكون قد وجه ضربة مضاعفة إلى حزب الشعب وتسلم بنفسه مهام السلطتين التشريعية والتنفيذية.
ثم قام في 15/1/1952 بحظر نشاط الحزب الوطني وحزب الشعب والإخوان المسلمين والتعاوني الاشتراكي وأغلق مكاتبهم بالشمع الأحمر وأبقى على نشاط البعث والعربي الاشتراكي، ولكن سرعان ما قام في 6/4 من نفس العام بإجراء حظر عام على كل الأحزاب دون استثناء وعادت الأحزاب إلى النضال السري ضد "ديكتاتوريته". وقام الشيشكلي بتشكيل حركة سياسية خاصة به سماها "حركة التحرير العربي" التي انتخبته مسئولاً أول في مؤتمرها التأسيسي الذي عقدته في حلب بتاريخ 25/7/1952 ثم قام بتعديل الدستور بتاريخ 21/6/1953 وفيه حول النظام الحكومي من نظام نيابي إلى نظام رئاسي وقام بإجراء استفتاء عام بتاريخ 10/7/1953 نجم عنه الموافقة على التعديل ونجاح الشيشكلي المرشح الوحيد للرئاسة وكان من ابرز المؤيدين للشيشكلي إضافة إلى الحزب الذي شكله هو الحزب القومي السوري الاجتماعي.
في 30/7/1953 أصدر الشيشكلي قانونا جديدا للانتخابات خفض فيه عدد أعضاء البرلمان إلى 82 عضوا وسمح بعودة النشاط الحزبي مستثنياً الحزب الشيوعي. لكن القوى السياسية قاطعت الانتخابات باستثناء حركة التحرير التي حصلت على 72 مقعداً. أما المقاعد الباقية فكانت للقوميين السوريين وللمستقلين وانتخب مأمون الكزبري رئيساً لمجلس النواب. وقد شهدت سورية في هذه الفترة مرحلة خصبة من العمل السياسي بالمظاهرات والإضرابات والبيانات والحشود الجماهيرية ضد "ديكتاتورية الشيشكلي" فقام الشيشكلي بإعلان الأحكام العرفية واعتقل أغلب القيادات السياسية للأحزاب ومنهم (الكيخيا وعدنان الأتاسي والجابري والعسلي وعفلق والحوراني والبيطار) ووضع هاشم الأتاسي تحت الإقامة الجبرية ثم تراجع عن قراراته وشعر بالعزلة لكنه لم يستطع، إذ داهمه الانقلاب الرابع في 25/2/1954 ليضع نهاية لمرحلة الشيشكلي في سورية.
وقد تم هذا الانقلاب بالتعاون بين الأتاسي واتباعه داخل الجيش مع مصطفى حمدون وبعض الضباط البعثيين، وكان نتيجة الانقلاب استقالة الشيشكلي وسفره إلى بيروت وعودة الاتاسي لممارسة صلاحياته كرئيس للجمهورية (ثم عاد شكري القوتلي إلى الرئاسة بعد انتهاء فترة رئاسة الأتاسي في 18/8/1955)، وفي هذه الفترة كان المد القومي في اوجه بعد نجاح ثورة 23 تموز في مصر، وبدأت الحركات القومية في سورية تتخذ مكان الصدارة وتزداد قوة واتساعا وكان الوقوف ضد المشروعات الاستعمارية في أوجه، ولا سيما مشروع ايزنهاور، وكذلك الوقوف مع مصر ضد العدوان الثلاثي وطرح مسألة الوحدة مع مصر وكذلك مواجهة التهديدات التركية لسورية وبلغ الشعور الوحدوي مداه بعد نزول طلائع القوات المصرية في ميناء اللاذقية في تشرين الأول 1957.
أما على الصعيد البرلماني فمن المواقف التي اتخذها البرلمان في 27/6 أنه أقر المجلس قانون الانتخابات الجديد وتم فيه زيادة عدد النواب إلى 142 كما اقر نظام الاقتراع السري وحدد موعد الانتخابات في 20/8/1954.
في 30/7 أعلن الحزب الوطني مقاطعة الانتخابات احتجاجاً على تدخل الضباط البعثيين في شئون السياسة وتجاوز مهامهم خارج حدود ثكناتهم وهاجم انتشار الحزبية داخل الجيش ما أبعد الجيش عن أداء واجبه المقدس في الدفاع عن الوطن وقد قام الأتاسي بتأجيل موعد الانتخابات من 20/8 إلى 24/9 لإقناع الحزب الوطني وحزب الشعب لدخول الانتخابات وبالفعل قرر حزب الشعب العودة عن قراره مقاطعة الانتخابات حيث قرر في 18/8 دخولها وكذلك الحزب الوطني.
وقد جرت الانتخابات على جولتين وعكست بشكل واضح تقدم الحركة القومية العربية والحركة اليسارية فحصل البعث على 16 مقعداً في حين حصل حزب الشعب على 30 مقعداً، أما الحزب الوطني فقد حصل على 19 مقعداً. وشهد هذا البرلمان في مناقشاته صراعا مريرا بين اليمين واليسار، وتجلى هذا الصراع في مناقشة مشروع الموازنة لعام 1955 وركز البرلمان الجديد على البرامج الاجتماعية والاقتصادية للحكومة وكان لاغتيال عدنان المالكي في 22/4/1955 أثر كبير على نمو وازدهار الحركات القومية واليسارية وتراجع الحزب القومي السوري وضرب قواعده واعتقال كوادره.
وفي 5/2/1958 وافق البرلمان على قرار تاريخي بالمصادقة على اتفاقية الوحدة وتحويل سورية إلى إقليم شمالي في الجمهورية العربية المتحدة وترشيح جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية، وحلت الأحزاب السياسية في سورية نفسها. وسرعان ما بدأت الخلافات بين البعث وقيادة عبد الناصر، وأعاد البعث تنظيم صفوفه وبدأت نشراته بالظهور والتهجم على سياسات عبد الناصر.
وفي 21/2 جرى الاستفتاء على الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة الذي نص فيما يختص بالسلطة التشريعية على أن يتولاها مجلس سمي بمجلس الأمة على أن يكون نصفه من مجلس النواب السوري والنصف الآخر من مجلس الأمة المصري، ولم تدم هذه الوحدة التاريخية طويلا فسرعان ما انقض عليها العسكريون مرة أخرى وبتشجيع مباشر من البعثيين المدنيين والعسكريين والقوى الرجعية والشيوعيين وبدعم إقليمي وخارجي توضح من خلال الاعتراف السريع بولادة سورية المنفصلة من جديد.
بعد الانفصال ولدت الحركة الناصرية على خريطة الحياة السياسية في سورية وبدأت التنظيمات الناصرية بالظهور وترافقت مع تصاعد الحركة الجماهيرية التي لم تهدأ للقضاء على حكم الانفصال.
في كانون الأول 1961 جرت انتخابات جديدة للبرلمان السوري اشترك فيها اكثر رجالات الأحزاب المنحلة (الوطني والشعب والبعث الإخوان والقومي السوري) وكلف الدواليبي في 20/12 بتشكيل الوزارة فشكلت بأكثرية من حزب الشعب والحزب الوطني وتقدمت هذه الوزارة إلى البرلمان بمشروع جديد لإلغاء التأميم وتعديل قانون الإصلاح الزراعي واستطاعت الحصول على موافقة البرلمان رغم بعض الاعتراضات من كتلة البعث (8 مقاعد) ورغم الاحتجاجات الجماهيرية الغاضبة.
وفي 28/3/1962 قام النحلاوي بانقلاب عسكري حل فيه البرلمان وأقال حكومة الدواليبي وزج بأكثر أعضائها في السجن وبدأت الحياة الديمقراطية في سورية تدخل من جديد النفق المظلم الذي سيرافقها طويلا منذ ذلك التاريخ. ورغم أن النحلاوي حاول مد يده إلى الناصريين فإن التنظيمات الناصرية رفضت كل تعاون مع أي نظام انفصالي لا يعلن إعادة الوحدة فوراً مع مصر، وبدأت حركة العصيانات المدنية والعسكرية تتصاعد ما اضطر القيادة العسكرية الجديدة إلى أن تفرج عن المعتقلين وان تسمح بالنشاط الحزبي وحرية الصحافة والتظاهر، وأن تعيد تأميم معمل الغزل والنسيج التابع للشركة الخماسية وان تلغي التعديل الذي أجرته حكومة الدواليبي على قانون الإصلاح الزراعي وان تعيده كما كان أثناء فترة حكم الوحدة.
وكانت حركة 8 آذار 1963 بمثابة رصاصة الرحمة على حكم الانفصال المتهاوي وتشكل بعدها مجلس وطني لقيادة الثورة سيطر عليه العسكريون بقيادة اللواء لؤي الأتاسي وبدأ البعث يقوي نفوذه داخل مؤسسات الدولة ولا سيما الجيش وترافق ذلك مع ظهور مفهوم الحزب القائد والنظام الديمقراطي الشعبي والقضاء على أعداء الشعب. وتحت لافتة هذه الشعارات قمعت المظاهرات بشراسة والتي كان ينظمها الناصريون من أجل الضغط باتجاه إعادة الوحدة مع مصر وانتهى الأمر بمجزرة 18/7/1963 إثر محاولة الانقلاب الفاشلة لجاسم علوان ومن ثم حدثت القطيعة النهائية بين الناصريين والبعثيين.
وبدأ البعث يقدم نموذجا للحكم يتناقض كليا مع ما كان يناضل من اجله في الأربعينات والخمسينات، وبدأ بقمع الحركات الاحتجاجية واصدر مجلس قيادة الثورة في 26/4/1964 قانونا يعتبر فيه إغلاق المحلات بغاية الإضراب جريمة تستوجب عقوبة 20 عاما داخل السجن إضافة إلى مصادرة المحل.
واتضح في حزيران 1965 شكل نظام الحكم الذي اقره المؤتمر القطري الاستثنائي لحزب البعث الذي أوصى بأن يتولى مجلس قيادة الثورة الذي يسيطر عليه العسكريون السلطة التشريعية والإشراف على السلطة التنفيذية. كما اعتبر أن التنظيم السياسي في سورية هو حزب البعث وهو الحزب القائد وكل السلطات عليها أن تنفذ مبادئ هذا الحزب ومقررات مؤتمراته.
وبعد حركة 23/2/1966 تحولت السلطة المطلقة من المجلس الوطني لقيادة الثورة إلى القيادة القطرية لحزب البعث التي أصبحت مصدر كل السلطات وأصبح المؤتمر العام للحزب هو البرلمان الذي يرسم السياسة العامة للحكومة. وبعد النضال الطويل الذي خاضه البعث من اجل الديمقراطية والحياة النيابية أصبح الفهم البعثي الجديد للديمقراطية أنها "بناء وليست نظام حكم". وجاءت المنطلقات النظرية للحزب بعد 8 آذار تحمل نفس رائحة كتاب "ما العمل" الذي ألفه لينين، وساد وقع الحزب الواحد أو كما يفضل البعثيون أن يسموه "الحزب القائد"، واستمر الوضع على حاله من القمع والاستبداد حتى 16/11/1970 بعد انقسامات وصراعات مريرة بين العسكريين داخل البعث.
وحاولت الحركة التصحيحية أن تؤسس لنفسها شرعية دستورية، إذ انفتحت نسبياً على القوى الناصرية والشيوعية وعينت مجلس شعب مؤقتاً تألف حينه من 173 عضواً، وهو (رغم أنه كان مجلساً معيناً) فإنه كان أول برلمان في ظل حكم البعث وتم وضع دستور دائم للبلاد والتوقيع على ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية في 7/3/1972.
ومنذ عام 1970 وحتى اليوم تحول البرلمان السوري إلى مؤسسة تعيش عطالة شبه كاملة وأي صوت نيابي يتعرض لسياسات الحكومة والنظام يتم قمعه بشدة، وهذا ما حصل مؤخراً مع النائبين المستقلين مأمون الحمصي ورياض سيف اللذين رُفعت الحصانة عنهما في ليلة وضحاها عندما تجاوزا الخطوط الحمراء، بتعرض سيف لموضوع الهاتف النقال واتهامه الحكومة بإجراء صفقته تحت الطاولة وتأسيسه منتدى الحوار الوطني رغم رفض السلطات إعطائه الترخيص ومشاركته الفعالة في لجان إحياء المجتمع المدني وفي الجمعية السورية لحقوق الإنسان وإعلانه عن رغبته في إنشاء حزب ليبرالي جديد. في حين قام الحمصي بتنظيم اعتصام في مكتبه وبتوزيع بيان يطالب فيه بالحريات العامة وسيادة القانون ومحاربة الفساد وإعادة الهيبة إلى البرلمان. فحُكم على الاثنين بخمس سنوات سجن لكل منهما.
وسبق ذلك حدث ملفت مع النائب منذر الموصلي حين ناقش تعديل إحدى مواد الدستور في حزيران 2000 حيث هاجمه رئيس المجلس واتهمه "بأن نفسه أمرته بالسوء فردعها"، وما عدا ذلك فإن المجلس لم تتخط مناقشاته تلك القبة التي لم يعد يكترث بها أحد.
أما الانتخابات النيابية فقد تحولت إلى احتفالات كرنفالية وفلكلورية تعقد فيها الدبكات وتوزع القهوة المرة وتُقام الولائم وتوزع علب السمن وأكياس الأرز دون أي برامج انتخابية أو لقاءات جماهيرية حقيقية وتحول المجلس في عيون الناس إلى مكان للحصول على الامتيازات، للحصول على رخصة استيراد سيارة أو من أجل "البروظة" والوجاهة العشائرية وكثيراً ما يلمز المواطنون بالمجلس بكلمة "موافقين"، إشارة إلى الدور الذي يقوم به البرلمان في الموافقة فقط على ما تطلبه منه الحكومة.
لقد عاشت سورية منذ نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات تجربة برلمانية مثيرة وفريدة، كانت بكل عجرها وبجرها ترسم صورة الحياة السياسية في سورية. وقد شهدت هذه التجربة أحوالا متناقضة من الصعود والهبوط في مواقفها وخطها البياني وعبرت من خلال هذا الخط عن تطور الحالة الديمقراطية في سورية.
والسؤال المطروح اليوم هو عن البرلمان الجديد الذي سنكون على موعد مع استحقاق انتخاباته بعد شهور قليلة، وهل سيكون هذا البرلمان علامة فاصلة في هذا التاريخ العريق أم أنه لن يكون اكثر من مجرد موعد اعتدنا مجيئه كل أربع سنوات وموسم للخطاطين والمطابع وبائعي الزهور ليس أكثر؟
لا شك أن العهد الجديد بقيادة الرئيس بشار الأسد قد أشار في خطاب القسم إلى تطوير هذه المؤسسة التشريعية الهامة، ولا شك أن تطويرها وإشرك الرأي الآخر فيها أمر حيوي في مسيرة التطوير والتحديث التي عنون فيها المرحلة القادمة في سورية. فهل سيكون الاستحقاق المقبل محطة فاصلة في هذا العنوان لإعادة البرلمان إلى الناس وإعادة الناس إليه؟ أم سيبقى البرلمان بالنسبة للناس مجرد برنامج أسبوعي تحت عنوان "الكلمة الحرة" كثيرون ممن هم مثلي لا يشاهدونه إطلاقاً!!
__________
* كاتب وناشط سوري في الدفاع عن حقوق الإنسان - حلب
مراجع: الحركة القومية في سورية 1948 - 1967 (د. نجاح محمد)، الأحزاب والحركات القومية العربية (جمال باروت مع بعض الباحثين)، في سبيل البعث (ميشيل عفلق)، مذكرات أكرم الحوراني، الهزيمة والأيديولوجية المهزومة (ياسين الحافظ)، الصراع على سورية (باتريك سيل)، نضال البعث (منشورات البعث)، مقررات المؤتمرات القطرية والقومية لحزب البعث.
على ذقن من يضحك الإخوان المسلمون؟!!..,وفاء سلطان
طفحت المواقع الإلكترونيّة مؤخرا بمقالات وبيانات تتناول الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين. ومن الملفت للنظر درجة الإستهتار بعقل القارئ التي وصلت اليها معظم تلك المقالات والبيانات عندما تحاول تجميل الصورة القبيحة لتلك الجماعة. أقف أمام العبارة التي يطالب من خلالها الإخوان المسلمون احترام عقائد وآراء الأخرين وبإقامة مجتمع تعدّدي ديمقراطي يحترم جميع الناس بغض النظر عن دينهم وأهوائهم، أقف عند تلك العبارة وأتساءل: مالذي تغيّرمن ثوابت الإخوان كي نصدّق التغيير في مواقفهم؟!! أم أن مايتبنونه الآن ليس سوى خدعة كبيرة قد تتطلبها مواجهة الظروف السياسة الحاليّة على الساحتين الدوليّة والمحليّة؟!! وعلى حدّ تعبير المثل الشعبي: تمسكن حتّى تتمكن! الجرائم التي ارتكبوها بناء على تلك الثوابت لم تزل حيّة في ذاكرتنا، ولم تجفّ بعد الدماء البريئة التي سفكوها في حيّز ضمائرنا! في بيانهم الأخير الذي أصدروه عقب مؤتمرهم حاولوا أن يتنصّلوا من الأعمال الإرهابيّة التي ارتكبوها في سوريّا في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات ويلصقوها بزمرة منشقّة اعتمدت العنف وسيلة لتحقيق أهدافها، على حدّ تعبيرهم.. لكن زلاّت اللسان ـ هذا إذا كانت تلك زلّة لسان ـ دائما تكشف بواطن النفوس وخصوصا نفوس المنافقين! جاء في ذلك البيان "ليس لحزب الإخوان المسلمين علاقة بتلك الزمرة التي اعتمدت العنف ضدّ رموز السلطة". والسؤال الذي يطرح نفسه: ضدّ رموز السلطة؟!! * هل كان محمّد الفاضل الذي اغتالته آياديهم الآثمة رمزا من رموز السلطة أم كان رمزا كبيرا من رموز كليّة الحقوق في جامعة دمشق؟!! * هل كان الدكتور يوسف اليوسف المدرس في كلية الطب في جامعة حلب الذي غربلوا جسده بالرصاص وهم يصيحون: الله أكبر.. الله أكبر، هل كان رمزا من رموز السلطة أم كان طبيبا مختصا في طبّ العيون ليس له في السلطة ناقة أو جمل؟!! * هل كان محمود شحادة الطبيب المختصّ بجراحة الأعصاب.. * هل كان علي العلي البروفسور المدرس في كليّة الزراعة في جامعة حلب.. * هل كان عبد الرحمن هلال الطبيب المختص بالأمراض العصبيّة.. * هل كان نزار الحمصي الطبيب المختص في طبّ الأطفال والذي أردوه قتيلا في عيادته وأمام أعين مرضاه من الأطفال وهم يكبّرون.. * هل كان طلاب مدرسيّة المدفعيّة الذين دخل عليهم رئيسهم الملازم الأول ابراهيم اليوسف وأحال مائتين منهم في ثوان أشلاء متناثرة.. * هل كان ركّاب القطار المتوجه من حلب إلى اللاذقيّة، ومعظمهم طلاّب جامعيون متوجّهون لقضاء العطلة الإنتصافيّة مع أهلهم، عندما أحالتهم العبوات الناسفة التي زرعها "جنود الله ورسوله" كحساء الخضرة المطحون.. * هل كان ركاب الباصات المتوجّهة من دمشق إلى الساحل السوري، كطبقة من أفقر عباد الله في سوريّا، عندما تناثرت أياديهم وأرجلهم على بعد أميال.. * هل كان سكّان حيّ الأزبكيّة في دمشق والذي انفجرت فيه سيارة مفخخة مرسلة من معسكرات تدريب الإرهابين في الإردن والعراق.. * هل كان كلّ هؤلاء من رموز السلطة؟!!وإذا كانوا من رموز السلطة، لماذا يتنصّل الأخوان المسلمون من تلك الزمرة بدلا من أن يتبنوها، أليسوا هم ضدّ السلطة؟!! ماذا تغيّر من ثوابت الإخوان كي نصدّق بأنهم غيّروا مواقفهم؟! هل تبنوا كتابا جديدا غير قرآنهم الذي وجدوا فيها مبررا لأفعالهم؟ هل هم الآن يصلّون لغير الإله الذي كانوا يكبّرون باسمه عندما يطلقون الرصاص على خيرة أبناء الوطن من رجال العلم والقانون لمجرد كونهم ينتمون إلى طوائف لاتؤمن بعقائدهم وثوابتهم؟ هل هم الآن يؤمنون بآيات غير تلك التي تحضّهم على قتال من لايؤمن بكتابهم ورسولهم، حتى يطالبوا باحترام عقائد الغير وحرياتهم؟! هل غيّروا رأيهم بالمغضوب عليهم والضالين كي يتمكنوا من بناء مجتمع تعدّدي ديمقراطي يحترم المسلمين وغير المسلمين على حدّ سواء؟! هل استبدلوا قانون الجزية بقانون يشمل الجميع، ويطلب من المرء أن يدفع الضريبة للوطن عن يد وهو عزيز غير صاغر أو ذليل؟ هل سيتوقّفون عن تكفيير البشر والتهديد بقتلهم وتطليقهم وتهجيرهم؟! هل صارت المرأة في مفهومهم الجديد مخلوقا بشريّا جديرا باحترام حقوقه ورغباته، ولايجوز ضربها لمجرد خاف زوج مهووس مجنون من أن لاتقوم بواجبات الفراش على ذوقه؟! بين ليلة وضحاها ينقلب الذئب الشرس حملا وديعا، ويريدنا أن نصدّقه؟!بين ليلة وضحاها ينقلب الإرهابي منظرا للأخلاق والقوانين والديمقراطية ويريدنا أن نمسك بيده؟!بين ليلة وضحاها يمشي القاتل في جنازة الضحية ويريدنا أن نتعاطف معه؟! لانستطيع أن ننفي عن الإخوان المسلمين مواطنيتهم السوريّة ولا نريد، كما لايستطيعون هم أن ينفوا عن غيرهم من السوريين تلك المواطنة ولو أرادوا! لكنّ المرحلة المقبلة تفرض عليهم، كما تفرض علينا، أن يدخلوا سوريّا الجديدة من خلال مصداقيّة تلك المواطنة، وليس من خلال عقائد ومفاهيم أكل الزمان على شرعيّتها الأخلاقيّة والإنسانيّة وتغوّط! الإنتماء الديني والطائفي ليس مقياسا لمصداقيّة تلك المواطنة وليس مقياسا لصلاحيّة المواطن. حبّ سوريّا واحترام الإنسان السوري أيّا كانت طائفته وحدهما المقياس. هل يستطيع الإخوان السلمون والذين يوصمهم ماض إرهابيّ غير مشرف أن يلتزموا بذلك المقياس؟!يقول أحد الحكماء: كي لاتموت ذكراك يجب أن تكتب شيئا يستحقّ أن يُقرأ، ويجب أن تفعل شيئا يستحق أن يُكتب. ماذا كتب الإخوان المسلمون يستحقّ أن نقرأه ونصدّقه ؟ وماذا فعلوا من شيءٍ يستحقّ أن نكتب عنه؟ ماهو جديدهم كي نغفر لهم قديمهم؟! هل يمتلكون الجرأة كي يصرّحوا بجديدهم ويعتذروا عن قديمهم كي لاننبش ذكراهم، وكي نقرأ لهم شيئا جديرا يمكن أن يخلّف لهم ذكرى أفضل؟ يدعون إلى مجتمع تعدّدي ديمقراطي تسوده مبادئ العدالة والمساواة، فعلى أيّ أساس سيشيّدون ذلك المجتمع؟!! على نفس المبدأ الذي اعتمد عليه أحدهم عندما وضع تحت إحدى المقاعد في قطار يغصّ بالركاب عبوة ناسفة كانت كافية لقتل مئات المسافرين على متن ذلك القطار؟!! على نفس المبدأ الذي رمى بموجبه ابراهيم اليوسف قنابله على طلاب مدرسة المدفعيّة وهم يتناولون غدائهم في مطعم كليّتهم؟! أم تغيّرت مبادئهم، فلماذا لايجيبوننا على هذا السؤال؟!! يحاولون الآن، وبعد مرور ربع قرن من الزمن، أن يتنصّلوا من جرائمهم، لماذا لم يتنصّلوا منها في ذلك الزمان؟!! كان الواحد منهم يرتكب جريمته في النهار وما أن يسدل الظلام حتى ينسل تحت جنحه فارا إلى السعوديّة أو العراق أو الأردن حيث يجد جنّته الآمنة! ومن تلك الجنان الآمنة يخططون الآن للعودة إلى مكان الجريمة كي يساهموا في بناء مجتمع تعدّدي ديمقراطي يقوم على أساس العدالة والمساواة!! ********** يقول مثل بنغالي: كانت المصيبة كبيرة عندما تزوّجت جدّتي فلانا وكانت المصيبة أكبر عندما طلّقته. الشعب السوري مرهق من بطش واستبداد سلطة داست على رقبته قرابة أربعين عام. لقد كانت مصيبتنا كبيرة عندما تزوّجت عائلة الأسد وزمرته السلطة في سوريّا، وستكون مصيبتنا أكبر لو طلّقنا تلك الزمرة ووجدنا أنفسنا وجها لوجه مع الإخوان المسلمين ـ لاسمح الله ـ كزوج بديل بعد هذا الطلاق! هل تعي المعارضة والأحزاب العلمانيّة والديمقراطيّة في سوريّا وخارجها تلك الحقيقة؟!! وهل ستفوّت على الإخوان المسلمين مخططهم لإفساد العرس السوري الذي انتظرناه طويلا؟!! زواج الأسد من السلطة كان اغتصابا وقادنا إلى حياة تعيسة، لكننا لانريد طلاقا يقودنا إلى حياة أسوأ!
العلمانية لهـا أيضا قيـم أخلاقية
ميشال سبع
درجت العادة بين الناس، القول بأن فلاناً أحسن أهله تربيته لأنه يسير وفق عادات المجتمع وتقاليده. وآخر ينعتونه باللا أخلاقي كونه يسير بعكس المفاهيم الاجتماعية السائدة.
من ناحية أخرى فإن رجال الدين لا ينفكون عن الدعوة الى الأخلاق كونها إرادة إلهية، مستشهدين تارة بالكتب المقدسة وطوراً مستنرين بالعقل والمنطق. والسؤال المطروح هو: إلى أي مدى ترتبط التربية بالأخلاق وإلى أي مدى تكون الأخلاق فعلا امتدادا للدين أو رديفة له؟ وإذا كانت الأخلاق من الدين فهل يعتبر غير المتدين لا أخلاقيا؟ وهل شرعة حقوق الإنسان وصية إلهية، علماً أن أصحابها لم يؤسسوها على الإيمان بالله بل اكتفوا بالإيمان بالإنسان؟ التربية هي نمط جماعة معينة اكتسبت مجموعة تصرفات اعتبرتها ضرورية لاستمراريتها، تشمل الأكل والشرب واللباس والكلام والتصرف والعلاقات. ومع الأيام صارت تقليداً وتراثاً وعادات. وعلى هذا، فالتربية تتعلق بتعليم أفراد المجتمع من الجيل الجديد كيف يسلكون في المواقف الاجتماعية المختلفة، على أساس ما يتوقعه منهم المجتمع الذي ينشأون فيه. وبالتالي، على نقل المهارات والمعتقدات والاتجاهات وأنماط السلوك المختلفة التي تجعل من عناصر الجيل الجديد مواطنين صالحين متكيفين مع الجماعة التي يعيشون في ما بينها. وبالتالي، فإن التربية عمل إنساني ومادتها الأشخاص الطبيعيون وحدهم دون غيرهم من الكائنات الحية. فتدريب الحيوان مثلا، ليس تربية. وليست التربية أيضا شيئا يمتلكه الأفراد، إنما هي عملية لها مراحلها وأهدافها. وبقدر ما يتمكن الفرد من اللحاق بالمراحل بقدر ما يشعر بقدرة أكبر على التأقلم. التأقلم سر السعادة والنجاح. كل تجاوز للتأقلم ورفض له مثار ألم ووجع. أما تحقيق الهدف التربوي فهو الانصهار في البوتقة الاجتماعية. في حين أن مجموعة أهداف رديفة تقوم بها مؤسسات غايتها ربط الفرد بها كتابع. وهنا تطال العملية التربوية العمق الذهني للفرد. يمكن تفصيل العملية التربوية الى تدريب تربوي وترتيب بنية تربوية في الفرد. التدريب يطال مجموعة التصرفات تجاه الذات والآخرين في مختلف نشاطات الحياة اليومية وهذه تنشأ من المحيط ذاته، بعضها يقوم به الأقربون ـ عادة الأم في مجتمعاتنا الحالية ـ قوامها الترغيب والترهيب بما فيه العقاب الجسدي والمعنوي. أما ترتيب البنية الداخلية فهو يبدأ من الأقربين إلا أنه يأخذ منحى أكثر تعقيداً يدخل فيه عنصر السيطرة الثقافية الدينية والسياسية. عندما يرتهن الفرد في أعماقه لأفكار معينة وتصورات معينة ويقتنع ـ وهنا الاقناع ليس بالضرورة عملية عقلية ومنطقية بل قد تكون رضوخاً للسيد أو للجماعة لسبب الضعف في المقاومة أو خوفاً من العقاب ـ فإنه عندها يصبح جاهزا للتبشير بما اقتنع به ويوضع في مصاف العناصر الاجتماعية الصالح لاستعمال أصحاب السلطة. هذا البقاء والحفاظ على التدريب والترتيب يجعل من الفرد المحافظ أخلاقيا. وبالتالي، فالأخلاق هي الحفاظ على الخط التربوي المقرر وكل التصرفات تصب في خانة الضرورة العليا لخير المجتمع وبطبيعة الحال لخير الأفراد. لقد جعل رجال الدين من الضرورة الاجتماعية العليا رغبة إلهية وجعلوا أنفسهم أوصياء على تنفيذها بحيث صار الدين أخلاقا. وصارت وصايا الناس هي وصايا الله. والناس هنا، هم المختصرون في مجموعة المتسلطين من رجال الدين يرون تحقيق سلطتهم ورغباتهم من خلال رغبات الله المسقطة عليهم. أما المنفذون لرغباتهم فهم طبقة رجال الدين البسطاء أو أصحاب المرتبة الدنيا الذين تقوم وظيفتهم على إضفاء هالة القداسة والأهمية على رؤسائهم. والناس العاديون البسطاء الذين ينتمون اليهم. إن عملية الترتيب الذهني تجعل من الفرد يربط بين الحادثة اليومية والرغبة الإلهية بحيث يصير كله كتلة ارتهان، ومجرد دمية تحركه رغبة رجل الدين المتسلط. بطبيعة الحال، الأهداف البعيدة لرجال الدين ـ وغايتها حكماً تمتين سلطتهم ووضعها في إطار الاستمرارية ـ تندرج تحت إطار القيم. وعندما تصبح الأخلاق شعار السير نحو اتجاهات المجتمع ومَن يحكمه من متنفذين في السياسة والدين، فإن القيم تتجاوز الأخلاق لتصل الى الأهداف البعيدة التي يؤمن بها الفرد من أجل أن يعيش سعيدا، حتى وإن قدّم حياته من أجلها. والقيم هذه قد تكون فردية وجماعية. وارتباطها عميق بالإيمان أكثر منه بالدين. بل بالمحتوى أكثر منه بالمؤسسات الراعية لها. لطالما كانت القيم بمثابة خوف لدى رجال الدين، ومن أجل هذا يعتمدون على المثقفين والانتلجنسيا من أجل إقامة حلف توافقي بين القيم والمادة الدينية والأخلاقية المقدمة من قِبلهم. مع ذلك، القيم شهدت تحررا كبيرا من رجال الدين، لا بل من الدين نفسه واعتُبرت «الحرية والمساواة والأخوة» قيماً أساسية في الثورة الفرنسية لاغية حدود الدين فيها. الإيمان ليس كلمة دينية بل قيمية، والقيم مطلقة، لذا، فهي ثابتة يتأرجح فيها إيمان الإنسان النسبي منه والمتغير، أما القيم فلا تتغير. وعلى رغم أن ثباتها لا يعني شيئا، إلا أن هناك إجماعاً على مطلقيتها، فالحق، والخير، والجمال، قيم مطلقة عند كل شعوب الأرض وعبر كل الأزمنة. والأخلاق تجسيد لتلك القيم بمفاهيم اجتماعية متغيرة ومتغايرة، لذا نراها متبدلة، لأنها التعبير الواقعي والنسبي للمطلق. إنها متغيرة في الزمان، متغايرة في المكان، فما هو أخلاقي عند جماعة ما يختلف عما هو أخلاقي عند جماعة اخرى، لكن القيم واحدة. من هذا المنطلق تصبح التربية مختلفة تماما من منطقة الى أخرى ومن زمان الى آخر، ولا تحكمها إلا طبيعة تغير تعامل الإنسان مع ذاته. والجدير ذكره ان الاختراعات غيّرت في مفاهيم تربوية كثيرة. فالمفاهيم الاستهلاكية في عالم اليوم جعلت الإنسان يعتبر الآخر عابراً في حياته، وبالتالي، فلقاؤه معه هو لقاء مصلحة آنية، أما الوفاء فشيء من الماضي. والضيافة صارت من أجل الاستفادة... هذه كلها مفاهيم أخلاقية نتجت عن متغيرات تربوية وهي مختلفة عن الماضي وستكون مختلفة عن المستقبل. في كثير من الأحاديث والمحاضرات نسمع بعض المربين يصرون على أن الأخلاق هي وجه الدين. ولذلك فهم يتأسفون على الواقع الحاضر لأن الشبيبة اليوم قد ابتعدت عن الدين وبالتالي فقدت أخلاقها. وبالمعنى نفسه، فشبيبة اليوم تفتقد للأخلاق لأنها ابتعدت عن الدين. في كتابه «حياة الحقائق» يقول «لوبون»: «ان الشعور الديني هو وجه من الروح الدينية في الانسان، أما الشعور الخلقي فهو ملاءمة لمقتضيات البيئة. المنطق الديني هو الذي يهيمن على الديانة، أما المنطق العاطفي فهو الذي يهيمن على الأخلاق. إذاً ليس للشعور الديني الذي هو مظهر من مظاهر الروح الدينية أية صلة بالأخلاق التي هي من مصدر عاطفي. والروح الدينية لا تحدث الأديان فقط، بل تحدث أيضا الروحانية والمعتقد صاحب الصيغ السياسية والمعجزات والمظاهر الاخرى. أما استقلال الدين أو الأخلاق فله عدة براهين. فعلماء القانون الجزائي لاحظوا منذ زمن طويل وجود جناة قساة وأتقياء معا. والمزاج النفسي لهولاء مماثل لنفسية «أولئك اللصوص الذين يشحذون خناجرهم وهم يستمعون الى بعض الأدعية حول هياكل بعض القديسين طمعا في نيل عونهم». ويتابع «لوبون»: لم تؤثر مبادئ ما بعد الطبيعة التي جعلتها الفلسفة دعامة للأخلاق في سلوك الناس فقط. فليس الخوف من جهنم ولا الطمع في السماء يمكن أن يكون دليل أخلاقيات معينة. لأن هذه تدخل في مجموعة مفاهيم لاهوتية قد تكون متناقضة طبقا لرجال الدين الذين يعلمونها. فهناك مدارس في اللاهوت ومدارس في التعليم، وبالتالي فإن الأسس اللاهوتية التي نعتبرها أساساً للأخلاق قد تكون متناقضة، وكم من مجموعات طائفية في أوروبا نتج عن جموحها قتل وانتحار وكل ما يمكن أن يكون لا أخلاقيا في المجتمع. لقد درجت الحكومات على الاعتماد على المؤسسات الدينية في تثبيت ركائز حكمها. من خلال نشر قوانين ذات إسناد ديني كي تبرر وجودها وسلطتها التي غالبا ما تكون قمعية. وكون هذه القوانين والمفاهيم التي يضعها رجال الدين ليجعلوا منها أخلاقيات معينة، مرتبطة بأخلاقية الحكومة، يصبح من غير الأخلاقي الثورة على الدولة، خصوصا أن السلطة تستمد كينونتها من الله، فالملك لا يأخذ حكمه من الناس بل من الله بحسب مفهوم بولس مثلا. كذلك، فإن الخليفة هو ظل الله. إذا اعتبرت ان أخلاقيتي خاضعة لمجموعة مفاهيم اجتماعية، فهذا يعني أنني بقدر ما أنتمي الى الجماعة وبقدر ما أعمل لها أشعر بنفسي أخلاقياً، أما إذا اعتبرت أن أخلاقيتي ناتجة عن ديني فهذا يعني أني لا أنتمي الى الجماعة الخارجة عن الدين، بل أخلاقيتي هي في موقع ديني. من ناحية أخرى إذا كانت أخلاقيتي دينية فإن رجل الدين هو الذي ينمّي أخلاقيتي، وأي تغير في كلامه يعني تغيراً في أخلاقيته، هو الوصي عليّ، أما أنا فلست مواطناً، ولا منتمياً الى دولة. أما إذا كانت أخلاقيتي اجتماعية فهذا يعني أن قمة أخلاقيتي هي شعوري بانتمائي الى الدولة. إن فصل الأخلاق عن الدين هو ضرورة للالتحاق بالدولة وبالمواطنية. وقد شعر رجال الدين بهذا، لذلك، قالوا بالدولة الدينية، كي يربطوا بين الانتماءين السياسي والديني. وهذا ليس جديداً، فالدولة الدينية حاولت أن تقف على قدميها عبر التاريخ، منذ عهد الفراعنة ومنذ عهد ما قبل الرومان ومع الرومان وفي الدولة اليهودية والدولة المسيحية والدولة الاسلامية، ولكن دائما كان الواقع يناقض الدولة الدينية، لأن الإنسان بطبعه يعيش تطوراً دائماً، والتطور الديني بطيء جدا لأن ديمومته أساس وجوده. إن تطور الجماعات البشرية، يجعل الواقعية في تبدل الأخلاق، وبالتالي، فإن التحررية هي عدم ربط الدين بالأخلاق، وضرورة صيرورة المجتمع تعني ضرورة تطور الفعل الحضاري للإنسان. إن حقوق الإنسان ليست حقوقاً دينية حتى وإن اعتبرت الأديان نفسها أنها صاحبتها. إن مَن نادى بها، أناس لا يعترفون بالدين ولا الدين يعترف بهم. إنهم مجموعة من المفكرين الثائرين الماسونيين. وحقوق الإنسان اليوم هي شرعة دولية، وكل محاولة إيقاف لها أو تجييرها إنما هي ساقطة بفعل تاريخيتها. لذا، فقد كانت الجهود منصبة على العملية التربوية من خلال المؤسسات التربوية لوضع الأسس (التعبوية) في نفوس الصغار قبل نضجهم. وهكذا عندما ظهرت المؤسسات التربوية وعلى الأخص المدرسة، كانت أساسا لتكريس التبعية للمؤسسات مباشرة، ولخدمة أصحابها ذوي السلطة الدينية والمدنية. لكن المدرسة سرعان ما أضحت «خصماً» للعائلة، ونتج عنها تغاير في الخط البنوي للذهنية الفردية. فمن طبيعة تربية الأهل أن يربوا أولادهم كما تربوا هم، أي تربية تقليدية تطال تصرفاتهم اليومية وتحكم نظرتهم الى الأمور، وهذه النظرة لا تنفك عن المفاهيم الدينية الموروثة ولا عن الأخلاقيات الموروثة. من هذا المنطلق لا تكون لديهم ملكة العقل هي الحاكمة بل الارتباط العاطفي الذي يجمع بين الانتماء للأهل والاحترام للأهل والخوف من الأهل والتصرفات اليومية بكاملها. المدرسة تناقض هذه النظرة، فهي تربي الولد على محاكاة عقلية وذهنية ذات أساس علمي مما يدعوه لتحكيم العقل على باطن معرفته ويدفعه بالتالي الى نقد التصرفات واختيار المناسب. إضافة الى أن الذهنية العملية تجعله يدخل في مرحلة الرفض المبكر لأمور تتعارض مع هذا العقل، عندها يعيش صراعاً بين المدرسة والبيت. ينتقل هذا الصراع الى البيت نفسه والى المدرسة نفسها، فالأهل الذين يرون أولادهم يرفضون ويحللون ويمتنعون عن الاستجابة البريئة التي كانت لهم تجعلهم ثورون على أولادهم ويلعنون المدرسة التي علّمتهم. في حين أن المدرسة تجد صعوبة في تأقلم تلاميذها مع المفاهيم العلمية التي تطغى على المنهاج. وبقدر ما تكون السلطة في البيت قائمة على وصية الاكرام للأهل بقدر ما يكون الولد مدعواً للتكرار وقتل ملكة الابداع لديه، هذا تكرره المدارس ايضا فتحاول أن تكون مناهجها تكراراً وحفظاً كي تتشارك مع الأهل في قتل ملكة الابداع لدى التلاميذ. المدارس الحديثة بدأت تخطو خطوات مختلفة تجعل لدى شخصية التلميذ إمكانية الرفض وبالتالي إمكانية للإبداع. وفي الواقع، فالأهل بمجرد قبولهم إرسال أولادهم الى المدرسة فقد قبلوا ضمناً تغايراً محتملاً واعترفوا بإمكانية التغيير ولو على مضض. ولجان الأهل تحاول جاهدة الحفاظ على مكتسبات الأهل التقليدية في المدرسة لكن المدرسة هي انعتاق من التقليد نحو خطوات التغيير والحداثة. بين البيت والمدرسة ينمو المراهق محتاراً ممزقاً يرفض المدرسة ويرفض البيت، يريد الانعتاق نحو المجهول. الأخلاق في هذا كله هي مجرد شعارات يرفعها الأهل ضمن إطار تربيتهم وترفعها المدرسة بغية الحفاظ على النظام ملوحين بالسلطة التي لديهم لقمع أية مخالفات. عندما تتداخل الأخلاق في التربية الى هذا الحد تبتعد كثيراً عن حدود الدين وسلطته، لذا، فقد كان الحل باعتماد المدارس الدينية لترسيخ النظم التربوية الدينية وبالتالي الأخلاقية الدينية. وإذا كانت المدرسة الرسمية هي في معزل عن هذا كله، فإنها أمل كبير في تحرير عقول التلامذة من ربط أخلاقيتهم بالسلفيات شرط أن تكون المدرسة واقعا مدنيا لا تكرارا لـ6 و6 مكرر وإعادة التوافق الطوائفي على مستوى التلامذة. الدين ثابت في أساسه الإيماني لأن مرتكزاته هي الله، وبالتالي لا يمكنه أن يتبدل بتبدل المجتمعات وتطورها. أشكال الممارسة الإيمانية، التعاليم التفسيرية، الشروحات، القوانين التطبيقية، هذه كلها تتجانس وتتفاعل وتســـاير التغيرات الاجتماعية. حتى وعي الألوهة نفسه يمكن أن يتطور بتطور النظرة العقلية والعلمية، أي حتى التعاليم الدينية المنبثقة عن أناس متصوفين أو أولياء يمكنها أن تقدم بأشكال مختلفة عبر العصور المختلفة. الأخلاقيات هي مجموعة قوانين ورؤى وتفاسير ونظم لخير المجتمعات التي لا يمكن أن تتوقف في مرحلة من التاريخ. إن صيرورتها دائمة. والتغيرات الحاصلة فيها مستمرة. من هنا، فإن ربط الدين بالأخلاق ليس من طبيعة الدين الايمانية، وهو مسيء للإنسان لأن الإنسان غير المتدين يمكن أن يكون أيضا أخلاقيا
درجت العادة بين الناس، القول بأن فلاناً أحسن أهله تربيته لأنه يسير وفق عادات المجتمع وتقاليده. وآخر ينعتونه باللا أخلاقي كونه يسير بعكس المفاهيم الاجتماعية السائدة.
من ناحية أخرى فإن رجال الدين لا ينفكون عن الدعوة الى الأخلاق كونها إرادة إلهية، مستشهدين تارة بالكتب المقدسة وطوراً مستنرين بالعقل والمنطق. والسؤال المطروح هو: إلى أي مدى ترتبط التربية بالأخلاق وإلى أي مدى تكون الأخلاق فعلا امتدادا للدين أو رديفة له؟ وإذا كانت الأخلاق من الدين فهل يعتبر غير المتدين لا أخلاقيا؟ وهل شرعة حقوق الإنسان وصية إلهية، علماً أن أصحابها لم يؤسسوها على الإيمان بالله بل اكتفوا بالإيمان بالإنسان؟ التربية هي نمط جماعة معينة اكتسبت مجموعة تصرفات اعتبرتها ضرورية لاستمراريتها، تشمل الأكل والشرب واللباس والكلام والتصرف والعلاقات. ومع الأيام صارت تقليداً وتراثاً وعادات. وعلى هذا، فالتربية تتعلق بتعليم أفراد المجتمع من الجيل الجديد كيف يسلكون في المواقف الاجتماعية المختلفة، على أساس ما يتوقعه منهم المجتمع الذي ينشأون فيه. وبالتالي، على نقل المهارات والمعتقدات والاتجاهات وأنماط السلوك المختلفة التي تجعل من عناصر الجيل الجديد مواطنين صالحين متكيفين مع الجماعة التي يعيشون في ما بينها. وبالتالي، فإن التربية عمل إنساني ومادتها الأشخاص الطبيعيون وحدهم دون غيرهم من الكائنات الحية. فتدريب الحيوان مثلا، ليس تربية. وليست التربية أيضا شيئا يمتلكه الأفراد، إنما هي عملية لها مراحلها وأهدافها. وبقدر ما يتمكن الفرد من اللحاق بالمراحل بقدر ما يشعر بقدرة أكبر على التأقلم. التأقلم سر السعادة والنجاح. كل تجاوز للتأقلم ورفض له مثار ألم ووجع. أما تحقيق الهدف التربوي فهو الانصهار في البوتقة الاجتماعية. في حين أن مجموعة أهداف رديفة تقوم بها مؤسسات غايتها ربط الفرد بها كتابع. وهنا تطال العملية التربوية العمق الذهني للفرد. يمكن تفصيل العملية التربوية الى تدريب تربوي وترتيب بنية تربوية في الفرد. التدريب يطال مجموعة التصرفات تجاه الذات والآخرين في مختلف نشاطات الحياة اليومية وهذه تنشأ من المحيط ذاته، بعضها يقوم به الأقربون ـ عادة الأم في مجتمعاتنا الحالية ـ قوامها الترغيب والترهيب بما فيه العقاب الجسدي والمعنوي. أما ترتيب البنية الداخلية فهو يبدأ من الأقربين إلا أنه يأخذ منحى أكثر تعقيداً يدخل فيه عنصر السيطرة الثقافية الدينية والسياسية. عندما يرتهن الفرد في أعماقه لأفكار معينة وتصورات معينة ويقتنع ـ وهنا الاقناع ليس بالضرورة عملية عقلية ومنطقية بل قد تكون رضوخاً للسيد أو للجماعة لسبب الضعف في المقاومة أو خوفاً من العقاب ـ فإنه عندها يصبح جاهزا للتبشير بما اقتنع به ويوضع في مصاف العناصر الاجتماعية الصالح لاستعمال أصحاب السلطة. هذا البقاء والحفاظ على التدريب والترتيب يجعل من الفرد المحافظ أخلاقيا. وبالتالي، فالأخلاق هي الحفاظ على الخط التربوي المقرر وكل التصرفات تصب في خانة الضرورة العليا لخير المجتمع وبطبيعة الحال لخير الأفراد. لقد جعل رجال الدين من الضرورة الاجتماعية العليا رغبة إلهية وجعلوا أنفسهم أوصياء على تنفيذها بحيث صار الدين أخلاقا. وصارت وصايا الناس هي وصايا الله. والناس هنا، هم المختصرون في مجموعة المتسلطين من رجال الدين يرون تحقيق سلطتهم ورغباتهم من خلال رغبات الله المسقطة عليهم. أما المنفذون لرغباتهم فهم طبقة رجال الدين البسطاء أو أصحاب المرتبة الدنيا الذين تقوم وظيفتهم على إضفاء هالة القداسة والأهمية على رؤسائهم. والناس العاديون البسطاء الذين ينتمون اليهم. إن عملية الترتيب الذهني تجعل من الفرد يربط بين الحادثة اليومية والرغبة الإلهية بحيث يصير كله كتلة ارتهان، ومجرد دمية تحركه رغبة رجل الدين المتسلط. بطبيعة الحال، الأهداف البعيدة لرجال الدين ـ وغايتها حكماً تمتين سلطتهم ووضعها في إطار الاستمرارية ـ تندرج تحت إطار القيم. وعندما تصبح الأخلاق شعار السير نحو اتجاهات المجتمع ومَن يحكمه من متنفذين في السياسة والدين، فإن القيم تتجاوز الأخلاق لتصل الى الأهداف البعيدة التي يؤمن بها الفرد من أجل أن يعيش سعيدا، حتى وإن قدّم حياته من أجلها. والقيم هذه قد تكون فردية وجماعية. وارتباطها عميق بالإيمان أكثر منه بالدين. بل بالمحتوى أكثر منه بالمؤسسات الراعية لها. لطالما كانت القيم بمثابة خوف لدى رجال الدين، ومن أجل هذا يعتمدون على المثقفين والانتلجنسيا من أجل إقامة حلف توافقي بين القيم والمادة الدينية والأخلاقية المقدمة من قِبلهم. مع ذلك، القيم شهدت تحررا كبيرا من رجال الدين، لا بل من الدين نفسه واعتُبرت «الحرية والمساواة والأخوة» قيماً أساسية في الثورة الفرنسية لاغية حدود الدين فيها. الإيمان ليس كلمة دينية بل قيمية، والقيم مطلقة، لذا، فهي ثابتة يتأرجح فيها إيمان الإنسان النسبي منه والمتغير، أما القيم فلا تتغير. وعلى رغم أن ثباتها لا يعني شيئا، إلا أن هناك إجماعاً على مطلقيتها، فالحق، والخير، والجمال، قيم مطلقة عند كل شعوب الأرض وعبر كل الأزمنة. والأخلاق تجسيد لتلك القيم بمفاهيم اجتماعية متغيرة ومتغايرة، لذا نراها متبدلة، لأنها التعبير الواقعي والنسبي للمطلق. إنها متغيرة في الزمان، متغايرة في المكان، فما هو أخلاقي عند جماعة ما يختلف عما هو أخلاقي عند جماعة اخرى، لكن القيم واحدة. من هذا المنطلق تصبح التربية مختلفة تماما من منطقة الى أخرى ومن زمان الى آخر، ولا تحكمها إلا طبيعة تغير تعامل الإنسان مع ذاته. والجدير ذكره ان الاختراعات غيّرت في مفاهيم تربوية كثيرة. فالمفاهيم الاستهلاكية في عالم اليوم جعلت الإنسان يعتبر الآخر عابراً في حياته، وبالتالي، فلقاؤه معه هو لقاء مصلحة آنية، أما الوفاء فشيء من الماضي. والضيافة صارت من أجل الاستفادة... هذه كلها مفاهيم أخلاقية نتجت عن متغيرات تربوية وهي مختلفة عن الماضي وستكون مختلفة عن المستقبل. في كثير من الأحاديث والمحاضرات نسمع بعض المربين يصرون على أن الأخلاق هي وجه الدين. ولذلك فهم يتأسفون على الواقع الحاضر لأن الشبيبة اليوم قد ابتعدت عن الدين وبالتالي فقدت أخلاقها. وبالمعنى نفسه، فشبيبة اليوم تفتقد للأخلاق لأنها ابتعدت عن الدين. في كتابه «حياة الحقائق» يقول «لوبون»: «ان الشعور الديني هو وجه من الروح الدينية في الانسان، أما الشعور الخلقي فهو ملاءمة لمقتضيات البيئة. المنطق الديني هو الذي يهيمن على الديانة، أما المنطق العاطفي فهو الذي يهيمن على الأخلاق. إذاً ليس للشعور الديني الذي هو مظهر من مظاهر الروح الدينية أية صلة بالأخلاق التي هي من مصدر عاطفي. والروح الدينية لا تحدث الأديان فقط، بل تحدث أيضا الروحانية والمعتقد صاحب الصيغ السياسية والمعجزات والمظاهر الاخرى. أما استقلال الدين أو الأخلاق فله عدة براهين. فعلماء القانون الجزائي لاحظوا منذ زمن طويل وجود جناة قساة وأتقياء معا. والمزاج النفسي لهولاء مماثل لنفسية «أولئك اللصوص الذين يشحذون خناجرهم وهم يستمعون الى بعض الأدعية حول هياكل بعض القديسين طمعا في نيل عونهم». ويتابع «لوبون»: لم تؤثر مبادئ ما بعد الطبيعة التي جعلتها الفلسفة دعامة للأخلاق في سلوك الناس فقط. فليس الخوف من جهنم ولا الطمع في السماء يمكن أن يكون دليل أخلاقيات معينة. لأن هذه تدخل في مجموعة مفاهيم لاهوتية قد تكون متناقضة طبقا لرجال الدين الذين يعلمونها. فهناك مدارس في اللاهوت ومدارس في التعليم، وبالتالي فإن الأسس اللاهوتية التي نعتبرها أساساً للأخلاق قد تكون متناقضة، وكم من مجموعات طائفية في أوروبا نتج عن جموحها قتل وانتحار وكل ما يمكن أن يكون لا أخلاقيا في المجتمع. لقد درجت الحكومات على الاعتماد على المؤسسات الدينية في تثبيت ركائز حكمها. من خلال نشر قوانين ذات إسناد ديني كي تبرر وجودها وسلطتها التي غالبا ما تكون قمعية. وكون هذه القوانين والمفاهيم التي يضعها رجال الدين ليجعلوا منها أخلاقيات معينة، مرتبطة بأخلاقية الحكومة، يصبح من غير الأخلاقي الثورة على الدولة، خصوصا أن السلطة تستمد كينونتها من الله، فالملك لا يأخذ حكمه من الناس بل من الله بحسب مفهوم بولس مثلا. كذلك، فإن الخليفة هو ظل الله. إذا اعتبرت ان أخلاقيتي خاضعة لمجموعة مفاهيم اجتماعية، فهذا يعني أنني بقدر ما أنتمي الى الجماعة وبقدر ما أعمل لها أشعر بنفسي أخلاقياً، أما إذا اعتبرت أن أخلاقيتي ناتجة عن ديني فهذا يعني أني لا أنتمي الى الجماعة الخارجة عن الدين، بل أخلاقيتي هي في موقع ديني. من ناحية أخرى إذا كانت أخلاقيتي دينية فإن رجل الدين هو الذي ينمّي أخلاقيتي، وأي تغير في كلامه يعني تغيراً في أخلاقيته، هو الوصي عليّ، أما أنا فلست مواطناً، ولا منتمياً الى دولة. أما إذا كانت أخلاقيتي اجتماعية فهذا يعني أن قمة أخلاقيتي هي شعوري بانتمائي الى الدولة. إن فصل الأخلاق عن الدين هو ضرورة للالتحاق بالدولة وبالمواطنية. وقد شعر رجال الدين بهذا، لذلك، قالوا بالدولة الدينية، كي يربطوا بين الانتماءين السياسي والديني. وهذا ليس جديداً، فالدولة الدينية حاولت أن تقف على قدميها عبر التاريخ، منذ عهد الفراعنة ومنذ عهد ما قبل الرومان ومع الرومان وفي الدولة اليهودية والدولة المسيحية والدولة الاسلامية، ولكن دائما كان الواقع يناقض الدولة الدينية، لأن الإنسان بطبعه يعيش تطوراً دائماً، والتطور الديني بطيء جدا لأن ديمومته أساس وجوده. إن تطور الجماعات البشرية، يجعل الواقعية في تبدل الأخلاق، وبالتالي، فإن التحررية هي عدم ربط الدين بالأخلاق، وضرورة صيرورة المجتمع تعني ضرورة تطور الفعل الحضاري للإنسان. إن حقوق الإنسان ليست حقوقاً دينية حتى وإن اعتبرت الأديان نفسها أنها صاحبتها. إن مَن نادى بها، أناس لا يعترفون بالدين ولا الدين يعترف بهم. إنهم مجموعة من المفكرين الثائرين الماسونيين. وحقوق الإنسان اليوم هي شرعة دولية، وكل محاولة إيقاف لها أو تجييرها إنما هي ساقطة بفعل تاريخيتها. لذا، فقد كانت الجهود منصبة على العملية التربوية من خلال المؤسسات التربوية لوضع الأسس (التعبوية) في نفوس الصغار قبل نضجهم. وهكذا عندما ظهرت المؤسسات التربوية وعلى الأخص المدرسة، كانت أساسا لتكريس التبعية للمؤسسات مباشرة، ولخدمة أصحابها ذوي السلطة الدينية والمدنية. لكن المدرسة سرعان ما أضحت «خصماً» للعائلة، ونتج عنها تغاير في الخط البنوي للذهنية الفردية. فمن طبيعة تربية الأهل أن يربوا أولادهم كما تربوا هم، أي تربية تقليدية تطال تصرفاتهم اليومية وتحكم نظرتهم الى الأمور، وهذه النظرة لا تنفك عن المفاهيم الدينية الموروثة ولا عن الأخلاقيات الموروثة. من هذا المنطلق لا تكون لديهم ملكة العقل هي الحاكمة بل الارتباط العاطفي الذي يجمع بين الانتماء للأهل والاحترام للأهل والخوف من الأهل والتصرفات اليومية بكاملها. المدرسة تناقض هذه النظرة، فهي تربي الولد على محاكاة عقلية وذهنية ذات أساس علمي مما يدعوه لتحكيم العقل على باطن معرفته ويدفعه بالتالي الى نقد التصرفات واختيار المناسب. إضافة الى أن الذهنية العملية تجعله يدخل في مرحلة الرفض المبكر لأمور تتعارض مع هذا العقل، عندها يعيش صراعاً بين المدرسة والبيت. ينتقل هذا الصراع الى البيت نفسه والى المدرسة نفسها، فالأهل الذين يرون أولادهم يرفضون ويحللون ويمتنعون عن الاستجابة البريئة التي كانت لهم تجعلهم ثورون على أولادهم ويلعنون المدرسة التي علّمتهم. في حين أن المدرسة تجد صعوبة في تأقلم تلاميذها مع المفاهيم العلمية التي تطغى على المنهاج. وبقدر ما تكون السلطة في البيت قائمة على وصية الاكرام للأهل بقدر ما يكون الولد مدعواً للتكرار وقتل ملكة الابداع لديه، هذا تكرره المدارس ايضا فتحاول أن تكون مناهجها تكراراً وحفظاً كي تتشارك مع الأهل في قتل ملكة الابداع لدى التلاميذ. المدارس الحديثة بدأت تخطو خطوات مختلفة تجعل لدى شخصية التلميذ إمكانية الرفض وبالتالي إمكانية للإبداع. وفي الواقع، فالأهل بمجرد قبولهم إرسال أولادهم الى المدرسة فقد قبلوا ضمناً تغايراً محتملاً واعترفوا بإمكانية التغيير ولو على مضض. ولجان الأهل تحاول جاهدة الحفاظ على مكتسبات الأهل التقليدية في المدرسة لكن المدرسة هي انعتاق من التقليد نحو خطوات التغيير والحداثة. بين البيت والمدرسة ينمو المراهق محتاراً ممزقاً يرفض المدرسة ويرفض البيت، يريد الانعتاق نحو المجهول. الأخلاق في هذا كله هي مجرد شعارات يرفعها الأهل ضمن إطار تربيتهم وترفعها المدرسة بغية الحفاظ على النظام ملوحين بالسلطة التي لديهم لقمع أية مخالفات. عندما تتداخل الأخلاق في التربية الى هذا الحد تبتعد كثيراً عن حدود الدين وسلطته، لذا، فقد كان الحل باعتماد المدارس الدينية لترسيخ النظم التربوية الدينية وبالتالي الأخلاقية الدينية. وإذا كانت المدرسة الرسمية هي في معزل عن هذا كله، فإنها أمل كبير في تحرير عقول التلامذة من ربط أخلاقيتهم بالسلفيات شرط أن تكون المدرسة واقعا مدنيا لا تكرارا لـ6 و6 مكرر وإعادة التوافق الطوائفي على مستوى التلامذة. الدين ثابت في أساسه الإيماني لأن مرتكزاته هي الله، وبالتالي لا يمكنه أن يتبدل بتبدل المجتمعات وتطورها. أشكال الممارسة الإيمانية، التعاليم التفسيرية، الشروحات، القوانين التطبيقية، هذه كلها تتجانس وتتفاعل وتســـاير التغيرات الاجتماعية. حتى وعي الألوهة نفسه يمكن أن يتطور بتطور النظرة العقلية والعلمية، أي حتى التعاليم الدينية المنبثقة عن أناس متصوفين أو أولياء يمكنها أن تقدم بأشكال مختلفة عبر العصور المختلفة. الأخلاقيات هي مجموعة قوانين ورؤى وتفاسير ونظم لخير المجتمعات التي لا يمكن أن تتوقف في مرحلة من التاريخ. إن صيرورتها دائمة. والتغيرات الحاصلة فيها مستمرة. من هنا، فإن ربط الدين بالأخلاق ليس من طبيعة الدين الايمانية، وهو مسيء للإنسان لأن الإنسان غير المتدين يمكن أن يكون أيضا أخلاقيا
عندما يكون الله غولا .... وفاء سلطان: الدين مسئول عن الكثير من مشاكلنا
ولدت الدكتورة وفاء سلطان سنة 1958 في بانياس في سوريا وهي طبيبة نفسية حاصلة على الجنسية الأمريكية وتقيم في ولاية كاليفورنيا.تحولت الدكتورة وفاء سلطان إلى نجمة داخل الولايات المتحدة وبعض الدول العربية منذ ظهورها الثاني على قناة الجزيرة متحدثة عن صراع الحضارات في برنامج الاتجاه المعاكس شهر فبراير من السنة الماضية، وهو الظهور الذي دفع عددا من وسائل الإعلام الدولية لتسليط الضوء على تلك "المرأة العربية" التي تحدّت شيخا من شيوخ الأزهر وناظرته بصلابة غير معهودة في العالم الإسلامي. ومنذ ذلك الوقت انقسم المهتمون بالحوار بين الحضارات بين معارض ومؤيد لكلام وفاء سلطان لكن القاسم المشترك بينهم جميعا كان التطرف في تبرير الموقف. فالمناصرون لكلام الدكتورة السورية يدافعون عنها بشدة وينتظرون مقالاتها التي تنشر بعدد من المواقع الإلكترونية بشغف كبير، فيما يرفض المُعادون لها حتى مناقشة أفكارها ويختصرونها في كلمة "ملحدة" و"مخربة لجهود التقريب بين الحضارات" بل هناك من أفتى بإباحة دمها. تقرير واشنطن جمع قائمة الاتهامات التي توجه للدكتورة سلطان وحاورها عبر البريد الإلكتروني، وهي ردت مشكورة على كل أسئلتنا.س
شاركتِ في مؤتمر فلوريدا عن الإسلام العلماني، هل تعتبرين نفسك مسلمة علمانية؟د. وفاء سلطانأنا امرأة علمانية الفكر والهدف، مسلمة التربية والنشأة. لقد قضيت أكثر من ثلثي عمري كمسلمة، وليس خياري أن أكون أو لا أكون. الإسلام تاريخي ولهذا التاريخ دور في أن أكون من أنا اليوم.
س هل درست علوم التفسير من قبل؟د. وفاء سلطانطبعا درست كتب التفسير من ألفها إلى يائها، وزاد هذا الأمر من رفضي للتعاليم الإسلامية وكرّس قناعاتي حيالها. أعتقد أن كتب التفسير قد زادت من سوء تلك التعاليم على حدّ مثل إفريقي: من يحاول أن يفسر شيئا سيـّئا يزيده سوءا. دعيني أضرب لك مثلا الآية التي تقول: ولا تأتوا السفهاء أموالكم ...". أجمعت معظم كتب التفسير، إن لم يكن كلّها، على أن المقصود بالسفهاء هم النساء والصبيان، وأجمعت تلك الكتب على أن النساء أسفه السفهاء! ماذا تريدينني أن أفعل حيال هذا التفسير يا ـ رعاك الله ـ؟ ! هل تريدينني أن أحني رأسي من شدّة إعجابي؟ هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، أية قيمة لرسالة تحتاج كلّ كلمة فيها إلى تفسير؟ وما الحكمة من أن تكون "رسالة الله" معقدة وغير مفهومة وتحتاج إلى من يفسرها لأتباعها. جاء في القرآن قوله " وقرآن مبين"، فأين البيان والوضوح في كتاب كل حرف فيه يحتاج إلى تفسير؟ ما هي مصداقية من قام بتفسيره، ومن أين استمدوا مصداقيتهم تلك؟
س ما هي مشكلتكِ بالضبط مع الإسلام؟د. وفاء سلطانالإسلام جهاز عقائدي مسئول أولا وأخيرا عن انحطاط الإنسان المسلم فكريا وأخلاقيا. لقد شوه الإسلام المفاهيم وسمّى الأشياء بغير مسمياتها.دعيني أضرب مثلا: في أكثر الكتب الإسلامية توثيقا واعتمادا نقرأ بأن النبي محمد كان يفاخذ عائشة وهي في السادسة من عمرها وهو فوق الخمسين، ثم نقرأ بعد ذلك قول القرآن: "وإنك لعلى خلق عظيم". أليس هذا قلبا وتشويها لمفهوم الأخلاق؟ كيف سيتصرف الرجل المسلم عندما يعتبر مفاخذة الأطفال ضربا من الأخلاق؟ تروي لنا تلك الكتب وبالتفصيل كيف قتل النبي محمد زوج السيدة صفية بنت حيي ابن أخطب وأخيها وأبيها، وفي طريقه من الغزوة مر بالنساء المسبيات ثم ألقى ردائه على صفية فعرف الجمع أنه اصطفاها لنفسه. نام معها في نفس اليوم وهو في طريقه إلى مضربه يقرأ الإنسان المسلم تلك القصة من كتبه ثم يقرأ قول محمد: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فيختلط عليه الأمر ويصبح القتل والاغتصاب أيضا ضربا من الأخلاق. أهكذا تتمم الأخلاق؟!!
س ما هي الخطوط العريضة لما تقولين بأنه مشروعك لإصلاح الإسلام؟د. وفاء سلطانأسعى جاهدة كي أعيد المفاهيم إلى مناصبها وأسمي الأشياء بأسمائها. أؤمن إيمانا مطلقا بأن الواقع المأساوي الذي وصلنا إليه يتطلب إعادة تأهيل الإنسان المسلم عقليا وفكريا وتربويا وأخلاقيا، وتلك هي رسالتي ومشروعي. هذه العقلية التي تبلورت خلال أربعة عشر قرنا من الزمن لن تتغير بين ليلة وضحاها. عملية إعادة التأهيل ستكون طويلة وشاقة لكنها واقعة لا محالة.نحن نعيش في عصر الإنترنيت ولا يمكن سد منافذ المعرفة بعد اليوم. عملية التأهيل بدأت وهي، وإن تبدو بطيئة، مستمرة وستسمر يوما عن خلق إنسان جديد.
س منذ ظهورك، تبنتك جهات مسيحية بعضها متشدّد مثل موقع الناقد الذي أطلقكِ وبعضها معتدل مثل منظمات الأقباط المصرية، ألم تخشي على مصداقية رسالتك خصوصا وأنك تتناولين فيها دين منافس وبين الدينـَيـْن قرون من الصراع؟ د. وفاء سلطانلا أعرف ماذا تقصدين بكلمة "تبنتك" وإن كنت أشم منها رائحة كريهة. موقع الناقد هو موقع أنشأه صديق سوري مسيحي متعمق في دراسته للإسلام يصرف على الموقع من ماله وجهده الشخصي. نعم هذا الموقع هو الذي قدمني مشكورا للعالم العربي وأنا مدينة للسيد بسّام درويش بذلك، ولكنه قدم في الوقت نفسه جميع كتابه وأغلبهم مسلمون، منهم المفكر والمؤرخ السيد مالك مسلماني والكاتب السيّد محمود كرم والكاتب السيد خالد السعيد والكاتب السيد حسين ديبان وغيرهم، فلماذا لا أسمع بأن الناقد كجهة مسيحية "متشددة" قد تبنت هؤلاء الكتاب؟ ولماذا أنا الوحيدة التي أتهم بعملية "التبني" تلك؟ ونفس التساؤلات تطرح حيال "تبني" منظمة الأقباط متحدون لي, السيد الدكتور شاكر النابلسي والسيد الدكتور سعد الدين إبراهيم أقوى في علاقتهما مع تلك المنظمة من علاقتي بها وأكثر حضورا وتفاعلا، فلماذا لا توجه إليهما نفس التهمة؟يا سيدتي، أنا التي تبنيت قضية الأقباط وليس العكس. تبنيتها لأنها قضية شعب مضطهد ومظلوم وأنا مع كل مضطهد على سطح الأرض وصوتي هو صوت من ليس لهم صوتوأهم المواقع التي تنشر كتاباتي اليوم موقع "الحوار المتمدن" والكل يعرف بأن هذا الموقع ملكا لحركة يسارية ماركسية فلماذا لا أتهم بكوني يسارية ماركسية؟ هم يحاولون باتهامي بالعمل لصالح اليمين المسيحي تجريد رسالتي من مصداقيتها، وهذا أقل ما يمكن أن يثير قلقي. مصداقيتي، يا سيدتي، تأتي من مصداقية فكري والطريقة التي أوصل بها هذا الفكر لقرائي الإسلام في صراع، وليس في تنافس كما تقولين، مع كل الأديان والديانات وليس مع المسيحية فقط، ونبي الإسلام افتعل ذلك الصراع.من الناحية الغيبية أنا لا أؤمن بأي دين. ولا أدافع عن المسيحية من تلك الناحية، ولكن من حقي أن أقارن بين السيرة الذاتية لمحمد والسيرة الذاتية للمسيح، معتمدة على المصادر الإسلامية نفسها، لأنني أجد في تلك المقارنة فروقا تستحق الوقوف عندها.
س لماذا توقف القائمون على موقع الناقد عن نشر مقالاتك وحذف تلك التي سبق ونشرتها هناك من قبل؟د. وفاء سلطانلم أختلف مع السيد بسام درويش على المبدأ، فنحن صديقان وما زلنا. يؤمن كل منّا بما يطرحه الآخر ويكمله. الخلاف بيننا شخصيّ، وله علاقة بطريقة نشر مقالاتي في المواقع الأخرى. وضع شروطا لم أقبلها. أحترم حقه في أن يضع شروطه، كما يحترم حقي في أرفضها. الكثير من المواقع تنشر اليوم كتاباتي وموقع "الحوار المتمدن" الأكثر انتشارا. تصلني من قرائه مئات الرسائل يوميا وأنا سعيدة جدا بالأثر الذي تتركه كتاباتي.
س
أفكارك وجدت صدى كبيرا لدى وسائل الإعلام الأمريكية واليهودية، هل وجدت صدى مماثلا في الدول الإسلامية؟د. وفاء سلطانهذا السؤال يسعى لذرّ الغبار في العيون وصرف النظر عن الحقيقة. لقد وصلت إلى وسائل الإعلام الأمريكية واليهودية عن طريق تلفزيون الجزيرة. لو لم تلاقي أفكاري أولا صدى في الدول الإسلامية لما اختارتني الجزيرة. طبعا لم تأتي عملية الاختيار من فراغ ولا عن طريق الصدفة أو القرعة. اختاروني بعد أن لمسوا أهمية الأفكار التي أطرحها وخطورتها على القالب الفكري الحديدي الذي قولب به الإسلام أتباعه. بدأت بنشر أفكاري منذ الأسبوع الأول الذي وطأت به قدمي أرض أمريكا، واستمريت بنشرها حتى تاريخ ظهوري الأول على قناة الجزيرة. الجالية العربية والإسلامية في لوس انجلوس تعرف تماما قصة كفاحي وصراعي مع الصحف العربية هنا، عندما كانت تطردني الواحدة تلو الأخرى. خلال تلك المدة لم يسمع بي جاري الأمريكي الذي يسكن البيت المجاور لبيتي. أما اليوم فلقد أصبحت حديث الشارع العربي والخبز الذي تتشاطره العائلة العربية على مائدة العشاء. هناك الكثير من الجمعيات التي تشكلت وتتشكل سريّة على امتداد العالم العربي التي تتبنى أفكاري وتقوم بطبع مقالاتي وتوزيعها. واحدة منها تضم أكثر من خمسة آلاف عضو وتطلق على نفسها "جميعه أصدقاء وفاء سلطان ". إخفاء الحقيقة، يا سيدتي، لا يلغيها! ومهما تجاهلتني وسائل الإعلام العربية، يعلم القائمون عليها بأنني لا أحتاج إلى اعترافهم بي. كتاباتي تثبت وجودي وأهمية هذا الوجود، وشكرا لعصر الإنترنيت الذي لم يحجني إلى تقبيل أياديهم.
سفي مقابلة لك مع مذيع قناة سي إن إن Glenn Beck قلت بأن الإسلام دين غير صالح للإصلاح وأنه إذا ما أصلح فلن يبقى منه شيء، ثم بعد ذلك قلت بأنك ترغبين في مواجهة المتطرفين الإسلاميين يعني تعترفين ضمنا بأن هناك مسلمين معتدلين؟ د. وفاء سلطانيتوقف الأمر على تعريفنا لكلمة " اعتدال". إذا قصدنا بالاعتدال رفض التورط في الإرهاب والتطرف، فالشريحة المعتدلة من المسلمين كبيرة جدا. أما إذا وسعنا المعنى ليشمل من يرفض التورط ومن يشجب الإرهاب، فستتقلص تلك الشريحة. ثمّ إذا انتقلنا إلى معنى أوسع فشملنا من يرفض ومن يشجب ومن يعترف بالتعاليم التي تحرض عليه، عندها ستخسر تلك الشريحة القسط الأكبر منها. لكن عندما ننتقل إلى التعريف الأوسع و الأشمل وهو من يرفض التورط في الإرهاب ومن يشجبه ومن يشجب التعاليم التي تحرض عليه ومن يسعى لإيقافه ولو بلسانه، سنحتاج إلى مجهر إلكتروني كي نستطيع أن نرى ما تبقى من تلك الشريحة. ويبقى السؤال: أين هم المعتدلون، ولماذا لا نسمع احتجاجهم على ما يجري باسم الإسلام؟!!
س هل تعتقدين بأن أكثر من مليار شخص يعتنق الإسلام حول العالم مُغرر بهم؟د. وفاء سلطانعندما يتعلق الأمر بالعلاقة الغيبية بين الدين والخالق أعتبر أتباع كل الأديان والديانات مغرر بهم وليس المسلمون فقط. لا أؤمن بتلك العلاقة ولا يهمنى البحث كثيرا عن مصداقيتها. يهمني ما جاء في تعاليم الدين، أي دين، وهنا تكمن خطورة التغرير بمليار إنسان.قلت مرارا: آمن بالحجر ولكن لا تضربني بها. نعم أعتبر من يؤمن بالحجر مغرر به، ولكن ليس في الأمر خطورة ما لم يضربني بحجره!عدد المعتنقين لفكرة ما لا يبرهن على مصداقية تلك الفكرة، ولو آمن العلماء بذلك لما استطاعوا أن يقودوا البشرية إلى تلك المرحلة من العلم والتقدم. غاليلو أثبت خطأ ما كان يؤمن به العالم كله، وهو خير دليل وأكبر برهان. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، إذا كان عدد المسلمين يثبت صحة معتقدهم، لماذا لا نعترف بأن المسيحية هي الأصّح مادام عدد الذين يؤمنون بها أكثر بكثير من عدد المسلمين؟ عدد المؤمنين بعقيدة لا علاقة له بقيمة تلك العقيدة ومدى صحّتها! عندما أكون أنا وكل الأمة الإسلامية على طرفيّ نقيض، أمتلك الحق بأن أدافع عن نفسي بنفس المقدار الذي تمتلك به الحق أن تدافع تلك الأمة عن نفسها. البقاء هنا للأصلح، ولا أعتقد بأن أمة تؤمن بالغزو والغنائم وسبي النساء أصلح من امرأة ترفض أن تؤمن بتلك التعاليم، وبالتالي سيكون البقاء حكما لي!
س مادام الإسلام دين غير قابل للإصلاح بنظرك، كيف يجب على المجتمع الدولي التعامل مع المسلمين؟د. وفاء سلطانيجب أن يميّز العالم بين الإسلام والمسلمين. الإسلام جهاز عقائدي والمسلمين بشر ككل البشر فيهم الصالح وفيهم الطالح وعملية تأهيلهم ممكنة. أعتقد أن الحل الوحيد لأزمة اليوم هي في ضمان حرية العقيدة في العالم الإسلامي وفتح ذلك العالم لكل العقائد والأفكار. في تلك الحالة ستتنافس الفلسفات والعقائد والأفكار الأخرى مع الإسلام، وسيفقد عندها الكثير من عنفه وقوته وجبروته. استطاع الإسلام أن يحافظ على نفسه بقوة السيف ومتى نرفع السيف عن رقاب البشر ستخسر تلك العقيدة قدرتها على العنف وبالتالي ستقل خطورتها. إن ضمان حرية العقيدة والاختيار في العالم الإسلامي هو الحل الرئيسي، إن لم يكن الوحيد. كما وأنصح العالم كله بوضع تعريف محدد لمعنى كلمة "دين"، لأن أي تعريف لن ينطبق على الإٍسلام. فالإسلام ليس دينا محض، وإنما دين ودولة، دولة تفرض وجودها بالعنف. ومتى خسر الإسلام الشق الثاني من تركيبته ستقل خطورته.
ستقولين بأن موقفك من الإسلام تغير منذ تعرض أستاذك للاغتيال على يد جماعة إسلامية متطرفة عندما كنت طالبة في سوريا، لكن الكثير من الكتاب السوريين نفوا حصول مثل ذلك الحادث واتهموك بتزوير التاريخ، بماذا تردين؟ د. وفاء سلطانما شاء الله.. ماشاء الله كم هم حريصون على سلامة التاريخ، وكم هو تاريخنا العربي والإسلامي موثق وبريء من التزوير!. من هم هؤلاء الكتاب ولماذا لا نعرف أسمائهم؟ ما الغاية من تكذيبي، هل لتجريد رسالتي من مصداقيتها أم لتبرئة تاريخ الإخوان المسلمين في سورية؟ الدكتور يوسف اليوسف الذي كان طبيب الأمراض العينية في جامعة حلب في أواخر الثمانينيات قتل على يد عصابة الإخوان المسلمين المجرمة ولقد شهدت عملية القتل. الحادثة واقعة تاريخية لا أحد يستطيع إنكارها. رسالتي أقوى من أن تكذب وتاريخ الإخوان المسلمين أجرم من أن يبرّأ. عندما ذكرت تلك الحادثة في أول مقابلة لي، ذكرتها على سبيل المثال وليس الحصر.لم يقتلوا أستاذا واحدا من أساتذتي وإنما قتلوا اثنين آخرين. لقد خسرت في نفس الوقت الدكتور علي العلي الذي اغتالته أياديهم الآثمة وكان قد درّسني مادة علم الحيوان في السنة الثانية في كلية الطب، والدكتور عبد الرحمن هلال وكنت قد تدربت على يديه كطبيب الأمراض العصبية في السنة السادسة في المشفى العسكري في مدينة اللاذقية. لقد أثر فيّ اغتيالهما كما أثر اغتيال الدكتور يوسف اليوسف، ذكرت اغتيال الدكتور يوسف اليوسف فقط لأنني شهدت عملية القتل الوحشية التي تبرهن على دونيتهم العقلية والأخلاقية والإنسانية.لو عرفت بأن ذكر تلك الحادثة سيأخذ تلك الأهمية في الصحافة الأمريكية لكنت قد أسهبت في شرح جرائمهم التي لعبت دورا كبيرا في تغييري وفي موقفي لاحقا من الإسلام كتعاليم إرهابية.لكنني سأتعرض لجرائمهم بالتفصيل في كتابي الذي سيصدر قريبا وهو بعنوان: السجين الهارب...عندما يكون الله غولا
شاركتِ في مؤتمر فلوريدا عن الإسلام العلماني، هل تعتبرين نفسك مسلمة علمانية؟د. وفاء سلطانأنا امرأة علمانية الفكر والهدف، مسلمة التربية والنشأة. لقد قضيت أكثر من ثلثي عمري كمسلمة، وليس خياري أن أكون أو لا أكون. الإسلام تاريخي ولهذا التاريخ دور في أن أكون من أنا اليوم.
س هل درست علوم التفسير من قبل؟د. وفاء سلطانطبعا درست كتب التفسير من ألفها إلى يائها، وزاد هذا الأمر من رفضي للتعاليم الإسلامية وكرّس قناعاتي حيالها. أعتقد أن كتب التفسير قد زادت من سوء تلك التعاليم على حدّ مثل إفريقي: من يحاول أن يفسر شيئا سيـّئا يزيده سوءا. دعيني أضرب لك مثلا الآية التي تقول: ولا تأتوا السفهاء أموالكم ...". أجمعت معظم كتب التفسير، إن لم يكن كلّها، على أن المقصود بالسفهاء هم النساء والصبيان، وأجمعت تلك الكتب على أن النساء أسفه السفهاء! ماذا تريدينني أن أفعل حيال هذا التفسير يا ـ رعاك الله ـ؟ ! هل تريدينني أن أحني رأسي من شدّة إعجابي؟ هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، أية قيمة لرسالة تحتاج كلّ كلمة فيها إلى تفسير؟ وما الحكمة من أن تكون "رسالة الله" معقدة وغير مفهومة وتحتاج إلى من يفسرها لأتباعها. جاء في القرآن قوله " وقرآن مبين"، فأين البيان والوضوح في كتاب كل حرف فيه يحتاج إلى تفسير؟ ما هي مصداقية من قام بتفسيره، ومن أين استمدوا مصداقيتهم تلك؟
س ما هي مشكلتكِ بالضبط مع الإسلام؟د. وفاء سلطانالإسلام جهاز عقائدي مسئول أولا وأخيرا عن انحطاط الإنسان المسلم فكريا وأخلاقيا. لقد شوه الإسلام المفاهيم وسمّى الأشياء بغير مسمياتها.دعيني أضرب مثلا: في أكثر الكتب الإسلامية توثيقا واعتمادا نقرأ بأن النبي محمد كان يفاخذ عائشة وهي في السادسة من عمرها وهو فوق الخمسين، ثم نقرأ بعد ذلك قول القرآن: "وإنك لعلى خلق عظيم". أليس هذا قلبا وتشويها لمفهوم الأخلاق؟ كيف سيتصرف الرجل المسلم عندما يعتبر مفاخذة الأطفال ضربا من الأخلاق؟ تروي لنا تلك الكتب وبالتفصيل كيف قتل النبي محمد زوج السيدة صفية بنت حيي ابن أخطب وأخيها وأبيها، وفي طريقه من الغزوة مر بالنساء المسبيات ثم ألقى ردائه على صفية فعرف الجمع أنه اصطفاها لنفسه. نام معها في نفس اليوم وهو في طريقه إلى مضربه يقرأ الإنسان المسلم تلك القصة من كتبه ثم يقرأ قول محمد: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فيختلط عليه الأمر ويصبح القتل والاغتصاب أيضا ضربا من الأخلاق. أهكذا تتمم الأخلاق؟!!
س ما هي الخطوط العريضة لما تقولين بأنه مشروعك لإصلاح الإسلام؟د. وفاء سلطانأسعى جاهدة كي أعيد المفاهيم إلى مناصبها وأسمي الأشياء بأسمائها. أؤمن إيمانا مطلقا بأن الواقع المأساوي الذي وصلنا إليه يتطلب إعادة تأهيل الإنسان المسلم عقليا وفكريا وتربويا وأخلاقيا، وتلك هي رسالتي ومشروعي. هذه العقلية التي تبلورت خلال أربعة عشر قرنا من الزمن لن تتغير بين ليلة وضحاها. عملية إعادة التأهيل ستكون طويلة وشاقة لكنها واقعة لا محالة.نحن نعيش في عصر الإنترنيت ولا يمكن سد منافذ المعرفة بعد اليوم. عملية التأهيل بدأت وهي، وإن تبدو بطيئة، مستمرة وستسمر يوما عن خلق إنسان جديد.
س منذ ظهورك، تبنتك جهات مسيحية بعضها متشدّد مثل موقع الناقد الذي أطلقكِ وبعضها معتدل مثل منظمات الأقباط المصرية، ألم تخشي على مصداقية رسالتك خصوصا وأنك تتناولين فيها دين منافس وبين الدينـَيـْن قرون من الصراع؟ د. وفاء سلطانلا أعرف ماذا تقصدين بكلمة "تبنتك" وإن كنت أشم منها رائحة كريهة. موقع الناقد هو موقع أنشأه صديق سوري مسيحي متعمق في دراسته للإسلام يصرف على الموقع من ماله وجهده الشخصي. نعم هذا الموقع هو الذي قدمني مشكورا للعالم العربي وأنا مدينة للسيد بسّام درويش بذلك، ولكنه قدم في الوقت نفسه جميع كتابه وأغلبهم مسلمون، منهم المفكر والمؤرخ السيد مالك مسلماني والكاتب السيّد محمود كرم والكاتب السيد خالد السعيد والكاتب السيد حسين ديبان وغيرهم، فلماذا لا أسمع بأن الناقد كجهة مسيحية "متشددة" قد تبنت هؤلاء الكتاب؟ ولماذا أنا الوحيدة التي أتهم بعملية "التبني" تلك؟ ونفس التساؤلات تطرح حيال "تبني" منظمة الأقباط متحدون لي, السيد الدكتور شاكر النابلسي والسيد الدكتور سعد الدين إبراهيم أقوى في علاقتهما مع تلك المنظمة من علاقتي بها وأكثر حضورا وتفاعلا، فلماذا لا توجه إليهما نفس التهمة؟يا سيدتي، أنا التي تبنيت قضية الأقباط وليس العكس. تبنيتها لأنها قضية شعب مضطهد ومظلوم وأنا مع كل مضطهد على سطح الأرض وصوتي هو صوت من ليس لهم صوتوأهم المواقع التي تنشر كتاباتي اليوم موقع "الحوار المتمدن" والكل يعرف بأن هذا الموقع ملكا لحركة يسارية ماركسية فلماذا لا أتهم بكوني يسارية ماركسية؟ هم يحاولون باتهامي بالعمل لصالح اليمين المسيحي تجريد رسالتي من مصداقيتها، وهذا أقل ما يمكن أن يثير قلقي. مصداقيتي، يا سيدتي، تأتي من مصداقية فكري والطريقة التي أوصل بها هذا الفكر لقرائي الإسلام في صراع، وليس في تنافس كما تقولين، مع كل الأديان والديانات وليس مع المسيحية فقط، ونبي الإسلام افتعل ذلك الصراع.من الناحية الغيبية أنا لا أؤمن بأي دين. ولا أدافع عن المسيحية من تلك الناحية، ولكن من حقي أن أقارن بين السيرة الذاتية لمحمد والسيرة الذاتية للمسيح، معتمدة على المصادر الإسلامية نفسها، لأنني أجد في تلك المقارنة فروقا تستحق الوقوف عندها.
س لماذا توقف القائمون على موقع الناقد عن نشر مقالاتك وحذف تلك التي سبق ونشرتها هناك من قبل؟د. وفاء سلطانلم أختلف مع السيد بسام درويش على المبدأ، فنحن صديقان وما زلنا. يؤمن كل منّا بما يطرحه الآخر ويكمله. الخلاف بيننا شخصيّ، وله علاقة بطريقة نشر مقالاتي في المواقع الأخرى. وضع شروطا لم أقبلها. أحترم حقه في أن يضع شروطه، كما يحترم حقي في أرفضها. الكثير من المواقع تنشر اليوم كتاباتي وموقع "الحوار المتمدن" الأكثر انتشارا. تصلني من قرائه مئات الرسائل يوميا وأنا سعيدة جدا بالأثر الذي تتركه كتاباتي.
س
أفكارك وجدت صدى كبيرا لدى وسائل الإعلام الأمريكية واليهودية، هل وجدت صدى مماثلا في الدول الإسلامية؟د. وفاء سلطانهذا السؤال يسعى لذرّ الغبار في العيون وصرف النظر عن الحقيقة. لقد وصلت إلى وسائل الإعلام الأمريكية واليهودية عن طريق تلفزيون الجزيرة. لو لم تلاقي أفكاري أولا صدى في الدول الإسلامية لما اختارتني الجزيرة. طبعا لم تأتي عملية الاختيار من فراغ ولا عن طريق الصدفة أو القرعة. اختاروني بعد أن لمسوا أهمية الأفكار التي أطرحها وخطورتها على القالب الفكري الحديدي الذي قولب به الإسلام أتباعه. بدأت بنشر أفكاري منذ الأسبوع الأول الذي وطأت به قدمي أرض أمريكا، واستمريت بنشرها حتى تاريخ ظهوري الأول على قناة الجزيرة. الجالية العربية والإسلامية في لوس انجلوس تعرف تماما قصة كفاحي وصراعي مع الصحف العربية هنا، عندما كانت تطردني الواحدة تلو الأخرى. خلال تلك المدة لم يسمع بي جاري الأمريكي الذي يسكن البيت المجاور لبيتي. أما اليوم فلقد أصبحت حديث الشارع العربي والخبز الذي تتشاطره العائلة العربية على مائدة العشاء. هناك الكثير من الجمعيات التي تشكلت وتتشكل سريّة على امتداد العالم العربي التي تتبنى أفكاري وتقوم بطبع مقالاتي وتوزيعها. واحدة منها تضم أكثر من خمسة آلاف عضو وتطلق على نفسها "جميعه أصدقاء وفاء سلطان ". إخفاء الحقيقة، يا سيدتي، لا يلغيها! ومهما تجاهلتني وسائل الإعلام العربية، يعلم القائمون عليها بأنني لا أحتاج إلى اعترافهم بي. كتاباتي تثبت وجودي وأهمية هذا الوجود، وشكرا لعصر الإنترنيت الذي لم يحجني إلى تقبيل أياديهم.
سفي مقابلة لك مع مذيع قناة سي إن إن Glenn Beck قلت بأن الإسلام دين غير صالح للإصلاح وأنه إذا ما أصلح فلن يبقى منه شيء، ثم بعد ذلك قلت بأنك ترغبين في مواجهة المتطرفين الإسلاميين يعني تعترفين ضمنا بأن هناك مسلمين معتدلين؟ د. وفاء سلطانيتوقف الأمر على تعريفنا لكلمة " اعتدال". إذا قصدنا بالاعتدال رفض التورط في الإرهاب والتطرف، فالشريحة المعتدلة من المسلمين كبيرة جدا. أما إذا وسعنا المعنى ليشمل من يرفض التورط ومن يشجب الإرهاب، فستتقلص تلك الشريحة. ثمّ إذا انتقلنا إلى معنى أوسع فشملنا من يرفض ومن يشجب ومن يعترف بالتعاليم التي تحرض عليه، عندها ستخسر تلك الشريحة القسط الأكبر منها. لكن عندما ننتقل إلى التعريف الأوسع و الأشمل وهو من يرفض التورط في الإرهاب ومن يشجبه ومن يشجب التعاليم التي تحرض عليه ومن يسعى لإيقافه ولو بلسانه، سنحتاج إلى مجهر إلكتروني كي نستطيع أن نرى ما تبقى من تلك الشريحة. ويبقى السؤال: أين هم المعتدلون، ولماذا لا نسمع احتجاجهم على ما يجري باسم الإسلام؟!!
س هل تعتقدين بأن أكثر من مليار شخص يعتنق الإسلام حول العالم مُغرر بهم؟د. وفاء سلطانعندما يتعلق الأمر بالعلاقة الغيبية بين الدين والخالق أعتبر أتباع كل الأديان والديانات مغرر بهم وليس المسلمون فقط. لا أؤمن بتلك العلاقة ولا يهمنى البحث كثيرا عن مصداقيتها. يهمني ما جاء في تعاليم الدين، أي دين، وهنا تكمن خطورة التغرير بمليار إنسان.قلت مرارا: آمن بالحجر ولكن لا تضربني بها. نعم أعتبر من يؤمن بالحجر مغرر به، ولكن ليس في الأمر خطورة ما لم يضربني بحجره!عدد المعتنقين لفكرة ما لا يبرهن على مصداقية تلك الفكرة، ولو آمن العلماء بذلك لما استطاعوا أن يقودوا البشرية إلى تلك المرحلة من العلم والتقدم. غاليلو أثبت خطأ ما كان يؤمن به العالم كله، وهو خير دليل وأكبر برهان. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، إذا كان عدد المسلمين يثبت صحة معتقدهم، لماذا لا نعترف بأن المسيحية هي الأصّح مادام عدد الذين يؤمنون بها أكثر بكثير من عدد المسلمين؟ عدد المؤمنين بعقيدة لا علاقة له بقيمة تلك العقيدة ومدى صحّتها! عندما أكون أنا وكل الأمة الإسلامية على طرفيّ نقيض، أمتلك الحق بأن أدافع عن نفسي بنفس المقدار الذي تمتلك به الحق أن تدافع تلك الأمة عن نفسها. البقاء هنا للأصلح، ولا أعتقد بأن أمة تؤمن بالغزو والغنائم وسبي النساء أصلح من امرأة ترفض أن تؤمن بتلك التعاليم، وبالتالي سيكون البقاء حكما لي!
س مادام الإسلام دين غير قابل للإصلاح بنظرك، كيف يجب على المجتمع الدولي التعامل مع المسلمين؟د. وفاء سلطانيجب أن يميّز العالم بين الإسلام والمسلمين. الإسلام جهاز عقائدي والمسلمين بشر ككل البشر فيهم الصالح وفيهم الطالح وعملية تأهيلهم ممكنة. أعتقد أن الحل الوحيد لأزمة اليوم هي في ضمان حرية العقيدة في العالم الإسلامي وفتح ذلك العالم لكل العقائد والأفكار. في تلك الحالة ستتنافس الفلسفات والعقائد والأفكار الأخرى مع الإسلام، وسيفقد عندها الكثير من عنفه وقوته وجبروته. استطاع الإسلام أن يحافظ على نفسه بقوة السيف ومتى نرفع السيف عن رقاب البشر ستخسر تلك العقيدة قدرتها على العنف وبالتالي ستقل خطورتها. إن ضمان حرية العقيدة والاختيار في العالم الإسلامي هو الحل الرئيسي، إن لم يكن الوحيد. كما وأنصح العالم كله بوضع تعريف محدد لمعنى كلمة "دين"، لأن أي تعريف لن ينطبق على الإٍسلام. فالإسلام ليس دينا محض، وإنما دين ودولة، دولة تفرض وجودها بالعنف. ومتى خسر الإسلام الشق الثاني من تركيبته ستقل خطورته.
ستقولين بأن موقفك من الإسلام تغير منذ تعرض أستاذك للاغتيال على يد جماعة إسلامية متطرفة عندما كنت طالبة في سوريا، لكن الكثير من الكتاب السوريين نفوا حصول مثل ذلك الحادث واتهموك بتزوير التاريخ، بماذا تردين؟ د. وفاء سلطانما شاء الله.. ماشاء الله كم هم حريصون على سلامة التاريخ، وكم هو تاريخنا العربي والإسلامي موثق وبريء من التزوير!. من هم هؤلاء الكتاب ولماذا لا نعرف أسمائهم؟ ما الغاية من تكذيبي، هل لتجريد رسالتي من مصداقيتها أم لتبرئة تاريخ الإخوان المسلمين في سورية؟ الدكتور يوسف اليوسف الذي كان طبيب الأمراض العينية في جامعة حلب في أواخر الثمانينيات قتل على يد عصابة الإخوان المسلمين المجرمة ولقد شهدت عملية القتل. الحادثة واقعة تاريخية لا أحد يستطيع إنكارها. رسالتي أقوى من أن تكذب وتاريخ الإخوان المسلمين أجرم من أن يبرّأ. عندما ذكرت تلك الحادثة في أول مقابلة لي، ذكرتها على سبيل المثال وليس الحصر.لم يقتلوا أستاذا واحدا من أساتذتي وإنما قتلوا اثنين آخرين. لقد خسرت في نفس الوقت الدكتور علي العلي الذي اغتالته أياديهم الآثمة وكان قد درّسني مادة علم الحيوان في السنة الثانية في كلية الطب، والدكتور عبد الرحمن هلال وكنت قد تدربت على يديه كطبيب الأمراض العصبية في السنة السادسة في المشفى العسكري في مدينة اللاذقية. لقد أثر فيّ اغتيالهما كما أثر اغتيال الدكتور يوسف اليوسف، ذكرت اغتيال الدكتور يوسف اليوسف فقط لأنني شهدت عملية القتل الوحشية التي تبرهن على دونيتهم العقلية والأخلاقية والإنسانية.لو عرفت بأن ذكر تلك الحادثة سيأخذ تلك الأهمية في الصحافة الأمريكية لكنت قد أسهبت في شرح جرائمهم التي لعبت دورا كبيرا في تغييري وفي موقفي لاحقا من الإسلام كتعاليم إرهابية.لكنني سأتعرض لجرائمهم بالتفصيل في كتابي الذي سيصدر قريبا وهو بعنوان: السجين الهارب...عندما يكون الله غولا
الكذاب .... وليد جنبلاط .... بقلم البروفيسور أسعد أبو خليل ... استاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية كاليفورنيا ــ ستانسلاس، وبروفسور زائر في جامعة كال
وليد جنبلاط قال أثناء التحضير للانتخابات النيابية الأخيرة إنه لا يمكن لسولانج الجميل أن تمثّل بيروت. «كيف يمكن لها أن تتجول في بربور؟»، تساءل. بعد أيام فقط، قال إنه لا مانع لسولانج أن تمثل بيروت، وأن تتجول في بربور. وليد جنبلاط قال في فترة التحضير للانتخابات النيابية إنه لا يمكن له أن يتخلى عن بعض نوابه من أجل أخذ مرشحين من القوات اللبنانية، لكنه عاد وفعل ذلك.وليد جنبلاط قال إن سلاح المقاومة ضروري من أجل منظومة دفاعية، ثم عاد ورفض منطق المنظومة الدفاعية، لا بل سخر منه.وليد جنبلاط كان ضد إرسال الجيش إلى الجنوب، ثم عاد وتساءل عن سبب عدم إرسال الجيش الى الجنوب. وليد جنبلاط (بعد اغتيال الحريري) حذّر من سقوط النظام في سوريا لأن من شأن ذلك أن يؤدي الى صعود حركات أصولية إسلامية.ثم عاد وقال إن سقوط النظام في سوريا لن يؤدي الى صعود الأصولية وإن من يقول ذلك هم أبواق النظام.وليد جنبلاط طالب بتغيير النظام في سوريا في الوقت الذي نفى فيه أن يكون أحد في فريق 14 آذار يتدخّل في الشأن السوري.وليد جنبلاط مدح فترة حكم حافظ الأسد، لكنه عاد وانتقدها بعنف.وليد جنبلاط قال إنه سامح من قتل والده، ثم عاد وغيّر رأيه.وليد جنبلاط نفى أن يكون قد حرّض أميركا أثناء زيارته الرسمية لها ضد سوريا، لكنه عاد واعترف (أثناء الحرب الاسرائيلية في مقابلة أميركية) أنه حثّ أميركا أثناء زيارته على تشديد الضغوط على سوريا.وليد جنبلاط كان ضد المحكمة الدولية، ثم عاد وأصرّ على المحكمة الدولية.وليد جنبلاط قال في مقابلة مع «الواشنطن بوسط» إن حرب بوش في العراق ألهمته، ثم عاد واعتذر عن التصريح قائلاً إنه كان في فترة نفسية صعبة بعد اغتيال الحريري، وإن التصريح لا يعبّر عن آرائه. لكنه عاد ونفى النفي (على طريقة هيغل في «نفي النفي»).وليد جنبلاط قال إن مسألة تغيير النظام في سوريا هي شأن داخلي، ثم عاد وطالب أميركا بتغيير النظام.وليد جنبلاط أصر على إنشاء التحالف الرباعي، ثم عاد ونفى وجود التحالف الرباعي.وليد جنبلاط طالب باتفاق الهدنة، ثم عاد ووافق على القرار 1701 الذي يتناقض مع اتفاق الهدنة.وليد جنبلاط اتهم أميركا بالمسؤولية عن فوضى وتفجيرات العراق، ثم عاد واتهم سوريا بالمسؤولية نفسها.وليد جنبلاط قال قبل أيام لجريدة الـ«وول ستريت جورنال» إن لبنان يحتاج الى قوات دولية لتنتشر فيه على طريقة كوسوفو، لكنه قال في مقابلة مع الـ إي. إن. بي. بعد أيام فقط: إن من يريد تحويل لبنان الى كوسوفو هو جاهل.* تقتصر هذه المقالة على تناقضات وليد جنبلاط في الفترة التي تلت اغتيال رفيق الحريري فقط، وإلا احتجنا الى سلسلة مقالات.**
بروفسور العلوم السياسية في جامعة ولاية كاليفورنيا ــ ستانسلاس، وبروفسور زائر في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.
موقعه على الانترنتhttp;llangryarab.blogspost.com
بروفسور العلوم السياسية في جامعة ولاية كاليفورنيا ــ ستانسلاس، وبروفسور زائر في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.
موقعه على الانترنتhttp;llangryarab.blogspost.com
ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين .. أشهر جمله في تاريخ الإخوان المسلمين.. لأن من قالها هو مرشدهم ومؤسس جماعتهم الشيخ حسن البنا رحمه الله ..
شاعر وكاتب عربي مقيم بالصين
ماهر ذكي 20/03/2006 م، 23:41 (السعودية)، 20:41 (جرينيتش)
ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين .. أشهر جمله في تاريخ الإخوان المسلمين.. لأن من قالها هو مرشدهم ومؤسس جماعتهم الشيخ حسن البنا رحمه الله .. وقد قالها فيهم هم أنفسهم .. لكن متى قالها .. وكيف .. ولماذا ؟ هذا ما سأعرض له في هذا المقال ان شاء الله .. ومن خلال العرض لمرحله لهي أهم المراحل في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين ألا وهي مرحلة التأسيس والخروج من القمقم . - ان التعرض لتاريخ الإخوان المسلمين لأمر بالغ الصعوبه .. وذلك لشدة حساسية موقع الإخوان المسلمين في الشارع العربي من أقصاه إلى أدناه ومن مشرقه إلى مغربه .. وأنا سأكتفي بنقل صفحة من التاريخ كما رواها أصحابها .. ويعلم الله اني قد تحريت الدقه في مصادر معلوماتي وقد اكون اقتصرتها تقريبا على كتب وأدبيات أعضاء الإخوان المسلمين أنفسهم إلا القليل منها .. ولكن ما يهمني في الأمر هو مابين السطور فإن التاريخ قد مضى وانتهى والحديث عنه لن يجدي في شئ غير اللهم الحكمه والموعظه والتعلم من الماضي للعون على حسن التدبير للمستقبل . - بنظرة مبدأية لثقافة وفكر حسن البنا .. نجده قد تأثر كثيرا بفكر السيد جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده .. لكنه كان يميل بشكل أكبر لإتجاه مدرسة المجددين المحافظين المتمثله في فكر السيد رشيد رضا . - في مدينة الإسماعيليه و في الثالث والعشرين من مارس/أذار عام 1928 أجتمع ستة أشخاص من العاملين في معسكرات الإنجليز بالأستاذ حسن البنا – الذي كام يعمل مدرس لللغة العربية في المدرسة الإبتدائية الأميرية بالإسماعيليه – وأعلن السبعة أشخاص أنفسهم جماعة الإخوان المسلمين بقيادة الأستاذ حسن البنا الذي لقب نفسه بالمرشد وكان عمره اثنين وعشرين عاما فقط . - وضع المرشد اسس تكوين الجماعه وتمثلت في ثلاثة أجيال على النحو التالي : - جيل التكوين .. وهذا الجيل عليه ان يستمع .. والطاعة ليست فرض عليه . - الجيل المحارب أو جيل الجهاد .. وهذا الجيل هو جيل التنفيذ .. والطاعة التامه فرض عليه . - جيل الإنتصار .. وهذا الجيل هو الذي سيتولى أمر المسلمين وحكمهم بالشريعة الإسلاميه في دولة الخلافة .. وهو المطلوب تحقيقه . - انطلق حسن البنا ورفاقه في نشاط وجهد ودأب .. ولأنه يتحدث بإسم الدين فكان إنتشاره هو وجماعته كإنتشارالنار في الهشيم .. ففي خلال عامين فقط انتشرت الجماعه وخرجت من حدود مدينة الإسماعيليه إلى المدن المجاوره بل وتخطت المدن المجاورة .. وخلال أربعة أعوام كانت الجماعه قد بلغت عشر شعب وانتقلت بمركزها للقاهره وأصدرت مجلة اسبوعيه بإسم جماعة الإخوان المسلمين وصار لها فروع خارج مصر في سوريا ولبنان والسودان وفلسطين .. وكانت كل يوم في إزدياد في أعداد المنضمين اليها من المنادين بإعادة دولة الخلافه على يد الإخوان المسلمين . - عشرة سنوات هي عمر الجيل الأول من الجماعه .. ثم بدأ حسن البنا في العام 1938 ينتقل بجماعته للجيل الثاني وهو الجيل المحارب او جيل الجهاد .. وبالفعل بدأ في تحويل جزء من الجماعه من العمل المدني الدعوي للعمل العسكري .. فأنشأ فرق للرحلات تطورت لجواله بلباس عسكري تطورت إلى كتائب تطورت إلى أسر تطورت بطبيعة الحال لتنظيم مسلح .. عرف هذا التنظيم بإسم الجهاز الخاص أو التنظيم السري ... شروط الإنضمام إليه بالغة الصعوبه لأن عناصره يتم اختيارهم بدقة بالغه .. شعارهم الموت في سبيل الله والتضحيه بكل ماهو غالي ونفيس ... قانون هذا التنظيم يعرف بقانون التكوين .. أي أنه يتم تكوين التنظيم من مجموعات وكل مجموعه ينبثق عنها مجموعات أخرى ينبثق عن كل منها مجموعات أخرى بحيث لا يكون هناك رابط بين المجموعات وبعضها لتأمين أنفسهم . - اختارالمرشد حسن البنا عبد الرحمن السندي مسؤولاً أول للتنظيم السري يعاونه أحمد زكي و محمود الصباغ و أحمد حسن و مصطفى مشهور . هذه المجموعه تتلقى أوامرها من المرشد حسن البنا شخصيا ً- كما ذكر محمود الصباغ – ثم بدأ هذا التنظيم العمل الفعلي بإلقاء القنابل في أماكن تجمع جنود الإحتلال الإنجليزي وفي الحانات كما قاموا بتفجير قطار مخصص لنقل الجنود الإنجليز . - في العام 1945 قام محمود العيسوي أحد المنتمين للحزب الوطني بإغتيال أحمد باشا ماهر رئيس وزراء مصر .. و قد ذكر الشيخ أحمد حسن الباقوري والشيخ سيد سابق المنتميان لجماعة الإخوان المسلمين ذكرا في مذكراتهما بأن محمود العيسوي هذا كان من صميم الإخوان المسلمين . - في نفس العام 1945 أجرت مجلة المصور إستفتاء على إختيار رجل العام ففاز حسن البنا باللقب . - في العام 1946 اندلعت في مصر مظاهرات عديده رافضة لإتفاقية صدقي – بيفين .. كان للإخوان فيها حظاً كبيرا ..وقد قامت الشرطه بقمع المظاهرات .. ورداً على قمع الشرطة لهذه المظاهرات قام التنظيم السري للجماعة بتفجير عدد من أقسام الشرطة .. فزاد ذلك من شغف العامه وإعجابهم بشجاعة جماعة الإخوان المسلمين فبدأت تتدفق عليهم الأعداد من كل حدب وجدب أخذين في الإنضمام للجماعة .. حتى ان في العام 1946 نفسه كان من السهل على محمود لبيب تجنيد خالد محي الدين وجمال عبد الناصر وكمال حسين للعمل مع النظام الخاص وقد أقسم ثلاثتهم بالإضافه لجمال البنا الشقيق الأصغر لحسن البنا أقسموا جميعا في يوم واحد على المصحف والمسدس بالولاء للجماعه والتنظيم السري والتضحيه بالنفس .. وكان ذلك أمام عبد الرحمن السندي مسؤول التنظيم ... ولو أن جمال عبد الناصر تضايق بعدها من الطريقه التي ذهبوا بها اليهم وإلقاء القسم – حسب ما أورد خالد محي الدين – ولكن الحماس للجماعه كان هو الغالب . - في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1947 أصدرت الأمم المتحده قرار بتقسيم فلسطين .. فبدأت جريدة الإخوان المسلمين بدعوة الجيوش العربية للدخول في الحرب ضد اليهود وشارك حسن البنا في تكوين لجنة وادي النيل لجمع الأموال والسلاح للجهاد في فلسطين . علا نجم حسن البنا وتألقت الجماعه في الشارع العربي . - مع بداية عام 1948 وهو عام الكوارث على الإخوان المسلمين .. وبالتحديد في السابع والعشرين من فبراير / شباط وقع إنقلاب على نظام الحكم في اليمن أغتيل فيه الإمام يحيى حميد الدين حاكم اليمن على يد المعارضه بزعامة عبد الله الوزيري .. وكان لحسن البنا وللجماعه الدور الأكبر في هذا الإنقلاب بالتعاون مع البدر حفيد الإمام يحيى لإعداد اليمن لتكون أولى دول الخلافه .. ولكن الإنقلاب لم يدم لأكثر من ستة وعشرون يوماً فقط ... فكان ذلك بداية التوتر بين ملك مصر وحكومتها من جانب وجماعة الإخوان المسلمين ورجلها الأول حسن البنا من جانب أخر . - في الثاني والعشرين من مارس /أذار من نفس العام 1948.. قام التنظيم السري بإغتيال قاضي مدني وهو القاضي أحمد بك الخازندار وهو يعبر الطريق على يد عضوي الجماعة حسين عبد الحافظ ومحمود زينهم اللذان عوقبا بالأشغال الشاقه المؤبده لكلاهما .. وقد تم إغتيال القاضي بعدما حكم في قضية كان احد أطرافها عضوا في جماعة الإخوان المسلمين . - عقدت الجماعه جلسة محاكمه لعبد الرحمن السندي المسؤول الأول عن التنظيم السري - الذي يتلقى أوامره من المرشد العام حسن البنا مباشرة – برئاسة الدكتور عبد العزيز كامل .. وحينما سألوا السندي هل تلقيت أمرا بقتل القاضي أحمد الخازندار .. !!!!!!!؟؟ فقال انا سمعت فضيلة المرشد يقول ( لو كان ربنا يريحنا منه .. وأهو ربنا ريحنا منه عن طريق الجهاز ) أنا ظننت ان فعل كهذا سيسعد فضيلته !!!! فإتجهوا لفضيلة المرشد فأجهش فضيلة المرشد حسن البنا بالبكاء لأن الرجل كان قد فهمه خطأ !!! وذكر محمد فريد عبد الخالق الذراع الأيمن لحسن البنا أنه لم يرى المرشد مهموماً طيلة حياته مثل هذه اللحظات !!!! فقالوا لعبد الرحمن السندي لا تنفذ أي عمليات في المستقبل إلا بأمر من المرشد العام شخصياً أو أمر بموافقة الخمسة الأعضاء ... وحكمت الجماعه بدفع الديه لأسرة المقتول وأقروا في نفس الجلسه ان الحكومه عليها دفع هذه الديه لأنها من أموال الشعب وأغلق الموضوع .. وخرج حسن البنا مرشد عام الإخوان المسلمين والمرشح الأول لمنصب خليفة المسلمين في حال قيام دولة الخلافه في لقاء الثلاثاء وهو لقائه بالجماعه من كل اسبوع ليخطب فيهم خطبه تقوي ايمانهم ..... وأنكر قيام الجماعه بإغتيال القاضي أحمد الخازندار إلى ان أثبتت التهمه وتم الحكم على الفاعلين بعد خمسة أشهر . في الخامس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام 1948 أمسكت الشرطة سيارة جيب بها مستندات تخص جماعة الإخوان المسلمين .. عباره عن مخططات تفجير سفارتي أمريكا وبريطانيا وأماكن أخرى .. ومستندات كل عمليات التفجير التي تمت في الأونه الأخيره فضلا عن بعض القنابل والمتفجرات .. والأهم من ذلك القبض على ثلاثه من رجال الإخوان كان أهمهم مصطفى مشهور أحد الخمسه المؤسسين والمسؤولين عن التنظيم السري بالإضافه لأحمد عادل كمال وأخر . - في الرابع من ديسمبر / كانون الأول من نفس العام 1948 جرت مظاهرة بكلية الطب بجامعة فؤاد ( القاهره ) فقاد اللواء سليم زكي - حكيمدار شرطة القاهره - قوات الأمن لفض المظاهره .. وإذا بطالب ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين يلقى عليه بقنبلة من الطابق الرابع فسقطت أمامه فمات على الفور .. وكما يقول محمود الصباغ في تبريره لتلك الواقعه ( كان إلقاء القنابل في المظاهرات من جانب المتظاهرين في هذه الأيام امراً عادياً ) .. إشتعل الموقف بعد هذا الحادث بين الحكومة السعديه والإخوان مما دعى حسن البنا ان يطلب من رئيس مجلس النواب حامد جوده في نفس اليوم التوسط لدى محمود النقراشي رئيس الوزراء لبدء صفحة جديده بين الجماعه والوزراة .. لكن جوده رفض مطلبه . .. حاول البنا الإتصال بالملك فاروق أو برئيس الديوان الملكي إبراهيم عبد الهادي في محاولة لإحتواء الأزمه .. ولكن دون فائده . في السادس من ديسمبر / كانون الأول أي بعد يومين صدر الأمر بإغلاق صحيفة الإخوان ... في نفس اليوم خرجت جريدة الأساس جريدة الحزب الحاكم بعنوان .. أخبار ساره ستذاع قريباً .. فساد التوتر تصرفات الجماعه وحاول حسن البنا فعل اي شئ لإنقاذ الموقف بعدما شعر بخطورته .. ولكن دون فائده . في الثامن من ديسمبر / كانون الأول من نفس العام 1948 أي بعد يومين أخرين وبالتحديد في الساعة العاشرة مساءً إتصل عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخليه بالمرشد حسن البنا ليبشره بأن أخبار ساره ستذاع في الراديو بعد قليل من شأنها إنقاذ الموقف .. فشكره حسن البنا . تجمع قادة الجماعه ومعظم المنتمين لها بالمقر العام بالدرب الأحمر -بقلب القاهره – وإلتفوا جميعاً حول الراديو ... في إنتظار الأخبار التي سيذيعها الراديو . - في الساعه الحادية عشر من مساء يوم الثامن من ديسمبر / كانون الأول عام 1948 أذاع راديو القاهره أمر الحاكم العسكرى العام رقم 63 لسنة 1948 بحل جماعة الإخوان المسلمين بكل فروعها في البلاد ومصادرة أموالها وممتلكاتها . بعد أقل من عشر دقائق خرج الإخوان من المقر العام فوجدوا ان المكان قد تم حصاره من جميع الجهات وانهم وقعوا في الفخ وتم القبض عليهم جميعاً .... ما عدا حسن البنا .. المرشد العام ومؤسس الجماعه . شعر حسن البنا بأن مؤامرة أخرى تحاك ضده ويحتاجونه وحيداً ولذلك لم يقبضوا عليه .. فحاول التشبث بسيارة الشرطه وتوسل إليهم ليقبضوا عليه مع باقي أفراد الجماعه ... لكنهم أبعدوه . وكما يقول محمد فريد عبد الخالق .. أن حسن البنا طلب من الحكومه طلباً رسمياً بأن يعتقلوه بصفته رئيس الجماعه وهو المسؤول الأول عن الجماعه بعدما شعر بالخطر .. ولكن طلبه قوبل بالرفض . قرر الإخوان المسلمين الإنتقام من النقراشي باشا رئيس الوزراء ردا على قرار حل الجماعه والذي رأوا فيه إعتداء على الدين وإعتداء على شرع الله - حسبما ذكر ممثل الإدعاء عبد الله رشوان .. كما انهم رأوا ان قرار حل الإخوان لا يصدر عن مؤمن كما - ذكر محمود الصباغ احد قادة التنظيم السري .. وأنهم رأوا أن شخص كمثل النقراشي باشا بكل هذا الطيش والعناد وعدم ملاحظة الإعتبارات لابد ان يزاح عن الطريق بأي ثمن .. كما قال جمال البنا الشقيق الأصغر لحسن البنا . كان محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الحزب السعدي ورئيس الوزراء والحاكم العسكري العام فضلاً عن كونه وزير الداخليه ووزير الماليه في وزارته .. قد شعر بالخطر فبدأ يشدد الحراسات حوله تحسباً لفعل إخواني كردة فعل على قرار حل الجماعه . ولم يشأ العام أن ينتهي بكل هذه الكوارث فقط .. ففي العاشرة من صباح يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ديسمبر / كانون الأول عام 1948 وفي بهو وزارة الداخليه تنكر شاب من شباب الإخوان المسلمين في زي ضابط وقام بإطلاق الرصاص على النقراشي باشا بين أفراد حراسته فارداه قتيلا ً . زاد الإحتقان بين الجماعه وكل الناس تقريباً .. فالجميع يلزم الصمت في ترقب و إنتظار لحادث إرهابي جديد من الإخوان .. تم حصار المرشد العام حسن البنا في بيته .. تم القبض على عبد الرحمن السندي مسؤول النظام الخاص ..و تولى سيد فايز مسؤولية النظام الخاص . بدأ العام الجديد .. في صباح يوم الثالث عشر من يناير / كانون الثاني عام 1949 قام شفيق أنس أحد المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين بحمل حقيبه وذهب بها إلى محكمة الإستئناف بباب الخلق بوسط القاهره .. وإدعى بأنه مندوب من إحدي مناطق الأرياف جاء بقضايا للعرض على النائب العام .. وترك الحقيبه في المكتب بداخل المحكمه وذهب بحجة تناول الإفطار .. وبعدما غادر المكتب بدأت شكوك الموظفين بالمكتب حول الحقيبه .. فتم إستدعاء الأمن .. أخذت الحقيبه خارج المحكمه وانفجرت بالشارع العام .. وبعد القبض على شفيق أنس أعترف بأن الغرض من التفجير كان نسف المحكمه وذلك للتخلص من أوراق ومستندات قضية السيارة الجيب . قام عبد العزيز باشا على ومصطفى بك مرعي بزيارة المرشد العام حسن البنا في بيته – حسبما أورد رفعت السعيد - ولا يعلم ما دار بينهم إلا الله .. فخرج حسن البنا في اليو التالي ببيان تم توزيعه في الصحف يقول فيه حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين ... ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين ... واصفاً رجال التنظيم السري أو الجهاز الخاص الذي أنشأه البنا بنفسه قبل اكثر من عشر سنوات هي عمر أعمال الإرهاب والعنف بمصر على يد هذا التنظيم . وكان من الطبيعي ان تفكر كل الأطراف في التخلص من حسن البنا .. وقد كان . فقد تم إعداد فخ أخر لحسن البنا في يوم الثاني عشر من فبراير/شباط عام 1949 بإستدراجه خارج بيته وتم تصفيته من خلال خطه محكمه أعدها العقيد محمود عبد المجيد حكيمدار شرطة جرجا بصعيد مصر والذي تم استدعاؤه للقاهره خصيصا لهذه المهمه .. وقد قام بها ...وتم إغتيال حسن البنا بالفعل . - السؤال هنا .. ماهو هدف جماعة الإخوان المسلمين الذي قامت من أجله .. ؟الإصلاح أم إرهاب الأخر وفرض الرأي عليه بالقوه ؟ حوار العقل ام حوار المدافع ؟ ثقافة الدين ام ثقافة البارود ؟ ان كان الغرض هو الإصلاح .. فلماذا تم إنشاء التنظيم السري أصلاً .. لماذا تم انشاء وحده عسكريه داخل تنظيم ديني دعوي إصلاحي ؟ النظام الخاص لم يكن يستطيع تنفيذ أي عمليه بدون علم وأمر من المرشد العام .. فقد اورد خالد محي الدين بأن عبد الرحمن السندي المسؤول الأول عن التنظيم السري قال له ( انت تتلقى الأوامر مني وأنا أخذها من المرشد رأساً ) وكان ذلك في جلسة حلف اليمين التي رافقه فيها جمال عبد الناصر . - إذاً المرشد يعلم بكل شئ بل هو صاحب الأوامر .. إن كانوا دعاة للخير فلماذا يقتلون كل من إختلف معهم أو حاول حتى ان يختلف معهم .. ان كان المرشد هو من يعطى الأوامر بالقتل في سبيل الوصول للسلطه .. فلماذا قال عن رجاله الأشداء .. ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين .. ؟؟؟!!!! المصادر : محمود الصباغ- احمد عادل كمال- أحمد رائف – خالد محي الدين – رفعت السعيد – الجزيره نت –طارق البشري- فؤاد علام- عبد الله رشوان (ممثل الإدعاء في قضية إغتيال النقراشي باشا )
ماهر ذكي 20/03/2006 م، 23:41 (السعودية)، 20:41 (جرينيتش)
ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين .. أشهر جمله في تاريخ الإخوان المسلمين.. لأن من قالها هو مرشدهم ومؤسس جماعتهم الشيخ حسن البنا رحمه الله .. وقد قالها فيهم هم أنفسهم .. لكن متى قالها .. وكيف .. ولماذا ؟ هذا ما سأعرض له في هذا المقال ان شاء الله .. ومن خلال العرض لمرحله لهي أهم المراحل في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين ألا وهي مرحلة التأسيس والخروج من القمقم . - ان التعرض لتاريخ الإخوان المسلمين لأمر بالغ الصعوبه .. وذلك لشدة حساسية موقع الإخوان المسلمين في الشارع العربي من أقصاه إلى أدناه ومن مشرقه إلى مغربه .. وأنا سأكتفي بنقل صفحة من التاريخ كما رواها أصحابها .. ويعلم الله اني قد تحريت الدقه في مصادر معلوماتي وقد اكون اقتصرتها تقريبا على كتب وأدبيات أعضاء الإخوان المسلمين أنفسهم إلا القليل منها .. ولكن ما يهمني في الأمر هو مابين السطور فإن التاريخ قد مضى وانتهى والحديث عنه لن يجدي في شئ غير اللهم الحكمه والموعظه والتعلم من الماضي للعون على حسن التدبير للمستقبل . - بنظرة مبدأية لثقافة وفكر حسن البنا .. نجده قد تأثر كثيرا بفكر السيد جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده .. لكنه كان يميل بشكل أكبر لإتجاه مدرسة المجددين المحافظين المتمثله في فكر السيد رشيد رضا . - في مدينة الإسماعيليه و في الثالث والعشرين من مارس/أذار عام 1928 أجتمع ستة أشخاص من العاملين في معسكرات الإنجليز بالأستاذ حسن البنا – الذي كام يعمل مدرس لللغة العربية في المدرسة الإبتدائية الأميرية بالإسماعيليه – وأعلن السبعة أشخاص أنفسهم جماعة الإخوان المسلمين بقيادة الأستاذ حسن البنا الذي لقب نفسه بالمرشد وكان عمره اثنين وعشرين عاما فقط . - وضع المرشد اسس تكوين الجماعه وتمثلت في ثلاثة أجيال على النحو التالي : - جيل التكوين .. وهذا الجيل عليه ان يستمع .. والطاعة ليست فرض عليه . - الجيل المحارب أو جيل الجهاد .. وهذا الجيل هو جيل التنفيذ .. والطاعة التامه فرض عليه . - جيل الإنتصار .. وهذا الجيل هو الذي سيتولى أمر المسلمين وحكمهم بالشريعة الإسلاميه في دولة الخلافة .. وهو المطلوب تحقيقه . - انطلق حسن البنا ورفاقه في نشاط وجهد ودأب .. ولأنه يتحدث بإسم الدين فكان إنتشاره هو وجماعته كإنتشارالنار في الهشيم .. ففي خلال عامين فقط انتشرت الجماعه وخرجت من حدود مدينة الإسماعيليه إلى المدن المجاوره بل وتخطت المدن المجاورة .. وخلال أربعة أعوام كانت الجماعه قد بلغت عشر شعب وانتقلت بمركزها للقاهره وأصدرت مجلة اسبوعيه بإسم جماعة الإخوان المسلمين وصار لها فروع خارج مصر في سوريا ولبنان والسودان وفلسطين .. وكانت كل يوم في إزدياد في أعداد المنضمين اليها من المنادين بإعادة دولة الخلافه على يد الإخوان المسلمين . - عشرة سنوات هي عمر الجيل الأول من الجماعه .. ثم بدأ حسن البنا في العام 1938 ينتقل بجماعته للجيل الثاني وهو الجيل المحارب او جيل الجهاد .. وبالفعل بدأ في تحويل جزء من الجماعه من العمل المدني الدعوي للعمل العسكري .. فأنشأ فرق للرحلات تطورت لجواله بلباس عسكري تطورت إلى كتائب تطورت إلى أسر تطورت بطبيعة الحال لتنظيم مسلح .. عرف هذا التنظيم بإسم الجهاز الخاص أو التنظيم السري ... شروط الإنضمام إليه بالغة الصعوبه لأن عناصره يتم اختيارهم بدقة بالغه .. شعارهم الموت في سبيل الله والتضحيه بكل ماهو غالي ونفيس ... قانون هذا التنظيم يعرف بقانون التكوين .. أي أنه يتم تكوين التنظيم من مجموعات وكل مجموعه ينبثق عنها مجموعات أخرى ينبثق عن كل منها مجموعات أخرى بحيث لا يكون هناك رابط بين المجموعات وبعضها لتأمين أنفسهم . - اختارالمرشد حسن البنا عبد الرحمن السندي مسؤولاً أول للتنظيم السري يعاونه أحمد زكي و محمود الصباغ و أحمد حسن و مصطفى مشهور . هذه المجموعه تتلقى أوامرها من المرشد حسن البنا شخصيا ً- كما ذكر محمود الصباغ – ثم بدأ هذا التنظيم العمل الفعلي بإلقاء القنابل في أماكن تجمع جنود الإحتلال الإنجليزي وفي الحانات كما قاموا بتفجير قطار مخصص لنقل الجنود الإنجليز . - في العام 1945 قام محمود العيسوي أحد المنتمين للحزب الوطني بإغتيال أحمد باشا ماهر رئيس وزراء مصر .. و قد ذكر الشيخ أحمد حسن الباقوري والشيخ سيد سابق المنتميان لجماعة الإخوان المسلمين ذكرا في مذكراتهما بأن محمود العيسوي هذا كان من صميم الإخوان المسلمين . - في نفس العام 1945 أجرت مجلة المصور إستفتاء على إختيار رجل العام ففاز حسن البنا باللقب . - في العام 1946 اندلعت في مصر مظاهرات عديده رافضة لإتفاقية صدقي – بيفين .. كان للإخوان فيها حظاً كبيرا ..وقد قامت الشرطه بقمع المظاهرات .. ورداً على قمع الشرطة لهذه المظاهرات قام التنظيم السري للجماعة بتفجير عدد من أقسام الشرطة .. فزاد ذلك من شغف العامه وإعجابهم بشجاعة جماعة الإخوان المسلمين فبدأت تتدفق عليهم الأعداد من كل حدب وجدب أخذين في الإنضمام للجماعة .. حتى ان في العام 1946 نفسه كان من السهل على محمود لبيب تجنيد خالد محي الدين وجمال عبد الناصر وكمال حسين للعمل مع النظام الخاص وقد أقسم ثلاثتهم بالإضافه لجمال البنا الشقيق الأصغر لحسن البنا أقسموا جميعا في يوم واحد على المصحف والمسدس بالولاء للجماعه والتنظيم السري والتضحيه بالنفس .. وكان ذلك أمام عبد الرحمن السندي مسؤول التنظيم ... ولو أن جمال عبد الناصر تضايق بعدها من الطريقه التي ذهبوا بها اليهم وإلقاء القسم – حسب ما أورد خالد محي الدين – ولكن الحماس للجماعه كان هو الغالب . - في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1947 أصدرت الأمم المتحده قرار بتقسيم فلسطين .. فبدأت جريدة الإخوان المسلمين بدعوة الجيوش العربية للدخول في الحرب ضد اليهود وشارك حسن البنا في تكوين لجنة وادي النيل لجمع الأموال والسلاح للجهاد في فلسطين . علا نجم حسن البنا وتألقت الجماعه في الشارع العربي . - مع بداية عام 1948 وهو عام الكوارث على الإخوان المسلمين .. وبالتحديد في السابع والعشرين من فبراير / شباط وقع إنقلاب على نظام الحكم في اليمن أغتيل فيه الإمام يحيى حميد الدين حاكم اليمن على يد المعارضه بزعامة عبد الله الوزيري .. وكان لحسن البنا وللجماعه الدور الأكبر في هذا الإنقلاب بالتعاون مع البدر حفيد الإمام يحيى لإعداد اليمن لتكون أولى دول الخلافه .. ولكن الإنقلاب لم يدم لأكثر من ستة وعشرون يوماً فقط ... فكان ذلك بداية التوتر بين ملك مصر وحكومتها من جانب وجماعة الإخوان المسلمين ورجلها الأول حسن البنا من جانب أخر . - في الثاني والعشرين من مارس /أذار من نفس العام 1948.. قام التنظيم السري بإغتيال قاضي مدني وهو القاضي أحمد بك الخازندار وهو يعبر الطريق على يد عضوي الجماعة حسين عبد الحافظ ومحمود زينهم اللذان عوقبا بالأشغال الشاقه المؤبده لكلاهما .. وقد تم إغتيال القاضي بعدما حكم في قضية كان احد أطرافها عضوا في جماعة الإخوان المسلمين . - عقدت الجماعه جلسة محاكمه لعبد الرحمن السندي المسؤول الأول عن التنظيم السري - الذي يتلقى أوامره من المرشد العام حسن البنا مباشرة – برئاسة الدكتور عبد العزيز كامل .. وحينما سألوا السندي هل تلقيت أمرا بقتل القاضي أحمد الخازندار .. !!!!!!!؟؟ فقال انا سمعت فضيلة المرشد يقول ( لو كان ربنا يريحنا منه .. وأهو ربنا ريحنا منه عن طريق الجهاز ) أنا ظننت ان فعل كهذا سيسعد فضيلته !!!! فإتجهوا لفضيلة المرشد فأجهش فضيلة المرشد حسن البنا بالبكاء لأن الرجل كان قد فهمه خطأ !!! وذكر محمد فريد عبد الخالق الذراع الأيمن لحسن البنا أنه لم يرى المرشد مهموماً طيلة حياته مثل هذه اللحظات !!!! فقالوا لعبد الرحمن السندي لا تنفذ أي عمليات في المستقبل إلا بأمر من المرشد العام شخصياً أو أمر بموافقة الخمسة الأعضاء ... وحكمت الجماعه بدفع الديه لأسرة المقتول وأقروا في نفس الجلسه ان الحكومه عليها دفع هذه الديه لأنها من أموال الشعب وأغلق الموضوع .. وخرج حسن البنا مرشد عام الإخوان المسلمين والمرشح الأول لمنصب خليفة المسلمين في حال قيام دولة الخلافه في لقاء الثلاثاء وهو لقائه بالجماعه من كل اسبوع ليخطب فيهم خطبه تقوي ايمانهم ..... وأنكر قيام الجماعه بإغتيال القاضي أحمد الخازندار إلى ان أثبتت التهمه وتم الحكم على الفاعلين بعد خمسة أشهر . في الخامس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني من نفس العام 1948 أمسكت الشرطة سيارة جيب بها مستندات تخص جماعة الإخوان المسلمين .. عباره عن مخططات تفجير سفارتي أمريكا وبريطانيا وأماكن أخرى .. ومستندات كل عمليات التفجير التي تمت في الأونه الأخيره فضلا عن بعض القنابل والمتفجرات .. والأهم من ذلك القبض على ثلاثه من رجال الإخوان كان أهمهم مصطفى مشهور أحد الخمسه المؤسسين والمسؤولين عن التنظيم السري بالإضافه لأحمد عادل كمال وأخر . - في الرابع من ديسمبر / كانون الأول من نفس العام 1948 جرت مظاهرة بكلية الطب بجامعة فؤاد ( القاهره ) فقاد اللواء سليم زكي - حكيمدار شرطة القاهره - قوات الأمن لفض المظاهره .. وإذا بطالب ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين يلقى عليه بقنبلة من الطابق الرابع فسقطت أمامه فمات على الفور .. وكما يقول محمود الصباغ في تبريره لتلك الواقعه ( كان إلقاء القنابل في المظاهرات من جانب المتظاهرين في هذه الأيام امراً عادياً ) .. إشتعل الموقف بعد هذا الحادث بين الحكومة السعديه والإخوان مما دعى حسن البنا ان يطلب من رئيس مجلس النواب حامد جوده في نفس اليوم التوسط لدى محمود النقراشي رئيس الوزراء لبدء صفحة جديده بين الجماعه والوزراة .. لكن جوده رفض مطلبه . .. حاول البنا الإتصال بالملك فاروق أو برئيس الديوان الملكي إبراهيم عبد الهادي في محاولة لإحتواء الأزمه .. ولكن دون فائده . في السادس من ديسمبر / كانون الأول أي بعد يومين صدر الأمر بإغلاق صحيفة الإخوان ... في نفس اليوم خرجت جريدة الأساس جريدة الحزب الحاكم بعنوان .. أخبار ساره ستذاع قريباً .. فساد التوتر تصرفات الجماعه وحاول حسن البنا فعل اي شئ لإنقاذ الموقف بعدما شعر بخطورته .. ولكن دون فائده . في الثامن من ديسمبر / كانون الأول من نفس العام 1948 أي بعد يومين أخرين وبالتحديد في الساعة العاشرة مساءً إتصل عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخليه بالمرشد حسن البنا ليبشره بأن أخبار ساره ستذاع في الراديو بعد قليل من شأنها إنقاذ الموقف .. فشكره حسن البنا . تجمع قادة الجماعه ومعظم المنتمين لها بالمقر العام بالدرب الأحمر -بقلب القاهره – وإلتفوا جميعاً حول الراديو ... في إنتظار الأخبار التي سيذيعها الراديو . - في الساعه الحادية عشر من مساء يوم الثامن من ديسمبر / كانون الأول عام 1948 أذاع راديو القاهره أمر الحاكم العسكرى العام رقم 63 لسنة 1948 بحل جماعة الإخوان المسلمين بكل فروعها في البلاد ومصادرة أموالها وممتلكاتها . بعد أقل من عشر دقائق خرج الإخوان من المقر العام فوجدوا ان المكان قد تم حصاره من جميع الجهات وانهم وقعوا في الفخ وتم القبض عليهم جميعاً .... ما عدا حسن البنا .. المرشد العام ومؤسس الجماعه . شعر حسن البنا بأن مؤامرة أخرى تحاك ضده ويحتاجونه وحيداً ولذلك لم يقبضوا عليه .. فحاول التشبث بسيارة الشرطه وتوسل إليهم ليقبضوا عليه مع باقي أفراد الجماعه ... لكنهم أبعدوه . وكما يقول محمد فريد عبد الخالق .. أن حسن البنا طلب من الحكومه طلباً رسمياً بأن يعتقلوه بصفته رئيس الجماعه وهو المسؤول الأول عن الجماعه بعدما شعر بالخطر .. ولكن طلبه قوبل بالرفض . قرر الإخوان المسلمين الإنتقام من النقراشي باشا رئيس الوزراء ردا على قرار حل الجماعه والذي رأوا فيه إعتداء على الدين وإعتداء على شرع الله - حسبما ذكر ممثل الإدعاء عبد الله رشوان .. كما انهم رأوا ان قرار حل الإخوان لا يصدر عن مؤمن كما - ذكر محمود الصباغ احد قادة التنظيم السري .. وأنهم رأوا أن شخص كمثل النقراشي باشا بكل هذا الطيش والعناد وعدم ملاحظة الإعتبارات لابد ان يزاح عن الطريق بأي ثمن .. كما قال جمال البنا الشقيق الأصغر لحسن البنا . كان محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الحزب السعدي ورئيس الوزراء والحاكم العسكري العام فضلاً عن كونه وزير الداخليه ووزير الماليه في وزارته .. قد شعر بالخطر فبدأ يشدد الحراسات حوله تحسباً لفعل إخواني كردة فعل على قرار حل الجماعه . ولم يشأ العام أن ينتهي بكل هذه الكوارث فقط .. ففي العاشرة من صباح يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ديسمبر / كانون الأول عام 1948 وفي بهو وزارة الداخليه تنكر شاب من شباب الإخوان المسلمين في زي ضابط وقام بإطلاق الرصاص على النقراشي باشا بين أفراد حراسته فارداه قتيلا ً . زاد الإحتقان بين الجماعه وكل الناس تقريباً .. فالجميع يلزم الصمت في ترقب و إنتظار لحادث إرهابي جديد من الإخوان .. تم حصار المرشد العام حسن البنا في بيته .. تم القبض على عبد الرحمن السندي مسؤول النظام الخاص ..و تولى سيد فايز مسؤولية النظام الخاص . بدأ العام الجديد .. في صباح يوم الثالث عشر من يناير / كانون الثاني عام 1949 قام شفيق أنس أحد المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين بحمل حقيبه وذهب بها إلى محكمة الإستئناف بباب الخلق بوسط القاهره .. وإدعى بأنه مندوب من إحدي مناطق الأرياف جاء بقضايا للعرض على النائب العام .. وترك الحقيبه في المكتب بداخل المحكمه وذهب بحجة تناول الإفطار .. وبعدما غادر المكتب بدأت شكوك الموظفين بالمكتب حول الحقيبه .. فتم إستدعاء الأمن .. أخذت الحقيبه خارج المحكمه وانفجرت بالشارع العام .. وبعد القبض على شفيق أنس أعترف بأن الغرض من التفجير كان نسف المحكمه وذلك للتخلص من أوراق ومستندات قضية السيارة الجيب . قام عبد العزيز باشا على ومصطفى بك مرعي بزيارة المرشد العام حسن البنا في بيته – حسبما أورد رفعت السعيد - ولا يعلم ما دار بينهم إلا الله .. فخرج حسن البنا في اليو التالي ببيان تم توزيعه في الصحف يقول فيه حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين ... ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين ... واصفاً رجال التنظيم السري أو الجهاز الخاص الذي أنشأه البنا بنفسه قبل اكثر من عشر سنوات هي عمر أعمال الإرهاب والعنف بمصر على يد هذا التنظيم . وكان من الطبيعي ان تفكر كل الأطراف في التخلص من حسن البنا .. وقد كان . فقد تم إعداد فخ أخر لحسن البنا في يوم الثاني عشر من فبراير/شباط عام 1949 بإستدراجه خارج بيته وتم تصفيته من خلال خطه محكمه أعدها العقيد محمود عبد المجيد حكيمدار شرطة جرجا بصعيد مصر والذي تم استدعاؤه للقاهره خصيصا لهذه المهمه .. وقد قام بها ...وتم إغتيال حسن البنا بالفعل . - السؤال هنا .. ماهو هدف جماعة الإخوان المسلمين الذي قامت من أجله .. ؟الإصلاح أم إرهاب الأخر وفرض الرأي عليه بالقوه ؟ حوار العقل ام حوار المدافع ؟ ثقافة الدين ام ثقافة البارود ؟ ان كان الغرض هو الإصلاح .. فلماذا تم إنشاء التنظيم السري أصلاً .. لماذا تم انشاء وحده عسكريه داخل تنظيم ديني دعوي إصلاحي ؟ النظام الخاص لم يكن يستطيع تنفيذ أي عمليه بدون علم وأمر من المرشد العام .. فقد اورد خالد محي الدين بأن عبد الرحمن السندي المسؤول الأول عن التنظيم السري قال له ( انت تتلقى الأوامر مني وأنا أخذها من المرشد رأساً ) وكان ذلك في جلسة حلف اليمين التي رافقه فيها جمال عبد الناصر . - إذاً المرشد يعلم بكل شئ بل هو صاحب الأوامر .. إن كانوا دعاة للخير فلماذا يقتلون كل من إختلف معهم أو حاول حتى ان يختلف معهم .. ان كان المرشد هو من يعطى الأوامر بالقتل في سبيل الوصول للسلطه .. فلماذا قال عن رجاله الأشداء .. ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين .. ؟؟؟!!!! المصادر : محمود الصباغ- احمد عادل كمال- أحمد رائف – خالد محي الدين – رفعت السعيد – الجزيره نت –طارق البشري- فؤاد علام- عبد الله رشوان (ممثل الإدعاء في قضية إغتيال النقراشي باشا )
تصريح دينى بممارسة الجنس ...وائل لطفي
يكاد المجتمع المصرى حاليا يكون المجتمع الوحيد الذى يسأل فيه المواطن المشايخ قبل أن يدخل دورة المياه عن الحكم الشرعى لدخول دورة المياه وهل يستخدم يده اليمنى أم يده اليسرى؟ ويكاد المواطن المصرى أن يكون الوحيد بين خلق الله الذى يتصل ببرنامج تليفزيونى على الهواء مباشرة وأمام ملايين المشاهدين ليسأل الشيخ كيف يجامع زوجته وعلى أى نحو؟ وهل يقبلها أم لا؟ وهل يخلع ملابسه كلها أم يبقى بالملابس الداخلية؟ وهل يحتفظ بملابسه الداخلية كلها أم يخلع قطعة ويترك الأخرى؟ والأسئلة السابقة ليست من قبيل المبالغة أو الاستظراف، لكنها أسئلة حقيقية سألها ويسألها المشاهدون وصدرت بخصوصها إجابات شرعية، وثارت حول بعضها معارك فقهية، بالإضافة إلى موضوعات أخرى لاتخفى على المتابع الفطن مثل حكم التبرك ببول النبى عليه الصلاة والسلام؟ وهى فتوى تذكرنى بفتوى أخرى شهيرة شغلت فقهاء المسلمين منذ قرون وثارت حولها معارك فقهية كبيرة انشغل المنخرطون فيها بالإجابة عن سؤال يقول «هل إذا حمل المسلم المتوضئ قربة مليئة بالفساء ينقض وضوؤه أم أنه يبقى طاهرا؟»، ورغم أنه لايمكن عمليا أن يحمل المسلم قربة مليئة على هذا النحو إلا أن الإجابة على هذا السؤال استغرقت سنوات ونقاشات ومعارك ومناظرات أسست لفرع فى الفقه سماه المفكرون تجاوزا باسم فقه الفساء! ولم يكن هذا دليلا على شئ سوى على حالة التخلف والتردى والجمود التى وصل لها المسلمون، ولعل صدور فتاوى شبيهة فى أيامنا هذه ليس سوى دليل على أن هذه الحالة من التردى والبله العقلى والروحى قد عادت لتسيطر على المشهد الدينى برمته.. فهل هذا هو الإسلام الذى نريد؟ يدخر المواطن لدينا مبلغا من المال وبدلا من أن يذهب لمستشار اقتصادى ويسأله عن أفضل وسيلة لاستثمار مدخراته يتصل بأحد برامج الفتوى على الهواء ويسأل الشيخ، والمصيبة أن الشيخ يجيبه إجابة فورية وعلى الهواء مباشرة، مع أن نفس الشيخ منذ دقيقة واحدة كان يجيب عن سؤال آخر فى الجنس، وقبلها كان يجيب عن سؤال فى تربية الأبناء، وبعدها بدقيقة يمكن أن يجيب عن سؤال فى التغذية ولا تعرف هل العيب فى الشيخ أم فى الذين يسألونه أم فى الذين يربحون من وراء ظهوره أم فى الأمر كله برمته؟ يختلف المواطن مع زوجته حول مصير طفلهما وهل يدرس علمى أم أدبى فيذهب للشيخ طالبا الفتوى، ويشعر المواطن باكتئاب أو يمر بضائقة نفسية فيتصل بالشيخ ويصف له الأعراض ليرد عليه واصفا الدواء الشافى ومؤكدا أن الشفاء قريب بإذن الله ورغم أن كل شئ هو بإذن الله فعلا إلا أن الله سبحانه وتعالى قد طلب منا أن نأخذ بالأسباب، ومن الجنون تماما أن نستغنى عن الطبيب وخبير الاقتصاد والمعلم والاخصائى الاجتماعى والاستشارى النفسى لنستبدلهم بالمشايخ الذين يعرفون كل شئ ويفتون فى كل شئ والكارثة أن معظمهم لايعرفون شيئا فى الأمور التى يفتون فيها ولو كان بعضهم يعرف لنفع نفسه. المشهد من بعيد ومن قريب أيضا يبدو محزنا ومؤسفا والمخلصون من أبناء هذا البلد من المطالبين بالديمقراطية مدعوون للتأمل كثيرا، والانتهازيون الذين لايتوقفون عن هز الوسط وتلعيب الحواجب باسم المناداة بالحرية مدعوون أيضا للتعلم، الديمقراطية تعنى أن يقرر المواطن لنفسه وأن يتحمل مسئولية قراره، لكن هذا الطلب الهستيرى على الفتوى فى كل شئ وأى شئ يعنى أن المواطن لدينا يخاف من اتخاذ القرار وربما لايعرف كيف يفكر يريد المواطن أن يقول له الشيخ كيف يستثمر أمواله وكيف يضاجع زوجته، وكيف يربى أبناءه وكيف يقضى حاجته، وبسبب حالة الجمود والفراغ التى سيطرت على المجتمع المصرى لسنوات طويلة بات المشهد خاليا إلا من قليل من العلماء وكثير من أشباه العلماء، فقد الناس الأمل فى المستقبل فهاجروا إلى الماضى واقتنعوا عن حق بأن الماضى هو الحل وانه بدلا من أن يعمل المواطن عقله ويستلهم فطرته التى خلقه الله عليها مسلما نظيفا ذا عقل يعى فإن من الافضل له أن يسأل عن آداب دخول الحمام، وبدلا من أن يستدعى عقله وفطرته وموروثه ليعرف كيف يجامع زوجته فإن عليه أن يسأل الشيخ وهكذا فى كل مناحى الحياه لنكتشف أننا أمام حالة عجز كامل عن التفكير والخوف من اتخاذ القرار، هذه الحالة لم تجد من يحاول أن يعالجها أو يقاومها أو ينبه الناس إلى ضرورة أن يجربوا القدرة التى منحها لهم الله على الاختيار واستخدام العقل، لم تجد هذه الحالة من يقاومها ولكنها وجدت من يستثمرها والحق أن الاستثمار فى الدين فى هذه الأيام بات أكثر أنواع الاستثمار ربحية وأكثرها جلبا للمنافع بشكل يفوق بكثير تجارة الممنوعات والمحرمات حيث يستثمر تجار الدين فى سلعة مقدسة ولأنها مقدسة فإن الكثيرين يتحرجون من التدقيق فى جودة ما يطرح، إما خجلا أو خوفا أو حرجا وهكذا يلتزم الجميع الصمت حتى تنفجر فى الوجوه فتاوى من عينة إرضاع الكبير فى المكتب، وشرب بول النبى «ص» على سبيل التبرك أو تحريم مصافحة المرأة لزملائها فى العمل، حيث يتم إعلان حالة الطوارئ واتخاذ إجراءات لإبطال مفعول الفتوى التى أثارت الضجة فى وقتها دون أن يسال أحد لماذا تصدر هذه الفتاوى ودون أن يسأل أحد عن العقلية التى تصدر هذه الفتاوى وهل آن الأوان لتغييرها أم إننا نريد أن نبقى عليها حتى نصل إلى مرحلة «ما بعد التخلف» وهو مصطلح أهديه للأصدقاء الكبار من النقاد والمفكرين الذين يرون أن المجتمع المصرى دخل إلى مرحلة ما بعد الحداثه دون أن يمر بالحداثه نفسها فى حين أن الواقع يقول أنه دخل الآن إلى مرحلة ما بعد التخلف بعد أن عايش مرحلة التخلف كاملة! المهم أن هذه الرغبة المتوحشة فى استثمار الدين وفى استثمار هذه الحالة الخرافية من النهم للفتاوى لدى المواطنين والمشاهدين قد ادت فيما أدت إليه إلى تنافس القنوات الفضائية العربية والمصرية على إتاحة ساعات واسعة لبرامج الفتوى على الهواء وهى برامج يغلب عليها طابع جماهيرى وإثارى جنسى حيث تجمع ما بين جاذبية برامج الاعترافات الشخصية، وجاذبية البرامج الجنسية، وجاذبية البرامج الدينية إذا كان من يشاهدها يبحث عن الدين وباتت القنوات تتنافس فى إبرام عقود الاحتكار مع الدعاة شأنهم شأن الفنانين ومقدمى البرامج ومع زيادة الطلب تمت إتاحة الفرصة لآخرين أقل علما أحيانا وأقل جاذبية فى أحيان أخرى، لكن العذر كان أن السوق محتاج، وهكذا أصبح علينا أن نطالع عشرات الاتصالات التليفونية التى يعترف أصحابها بارتكابهم لخطيئه زنى المحارم ويسألون عن الحكم الشرعى! مع أن العقل يقول أن أى إنسان مهما كانت درجة بساطته يعرف الحكم الشرعى لزنى المحارم أو على الأقل يعرف أنه حرام ويجب الامتناع عنه، وبالقياس أصبح عليك وأنت جالس وسط أسرتك تستمع لبرنامج الفتاوى استجابة لرغبة والدتك أن تتلقى اتصالا عن الشذوذ الجنسى وعن حكم اتيان الزوجة من الدبر وعن حكم استخدام الفم فى الجنس وعن الدورة الشهرية، وهى كلها أسئلة من حق الناس أن يسألوا فيها رجل الدين ولكن فى المسجد أو فى المنزل أو على الهاتف وليس على الهواء مباشرة، ولعل اللافت أن الكثير من المذيعين يدركون أن الحديث فى مثل هذه المسائل يجذب المزيد من الجمهور ويرفع من نسب المشاهدة وهو ما يعنى المزيد من الاعلانات والأرباح، وهكذا ما أن يتلقى المذيع اتصالا من هذه النوعية حتى يتحول للاعب كرة يتلقى الكرة التى هى السؤال ويلقيها للعالم الجالس أمامه فرحا بالكاميرا ويوسع الموضوع ويعيد ويزيد فى السؤال ويقلب الأمر على أوجهه المختلفة حتى يضمن وصول مشاهديه إلى ذروة النشوة ثم يتوقف انتظارا لسؤال آخر، أما الطرف الثانى فى المعادله وهو المشاهد نفسه والذى يتصل ليعترف بخطيئته فى صيغة سؤال فهو يمارس حيلة نفسية يعرفها علماء علم النفس باسم «التعرى»، حيث يتخلص الإنسان من شعوره بالذنب تجاه أمر ما بالاعترف به وإذاعته على الآخرين مستخدما اسما مستعارا أو حقيقيا لافرق. أما الطرف الثالث وهو رجل الدين الذى يجلس مبتسما للكاميرا فهو واحد من اثنين أحدهما يعرف أنه يشارك فى لعبة إعلامية وينتظر أجره فى نهاية الحلقات وهذا نوع موجود ومعروف، وثانيهما عالم محترم يريد أن يستخدم البرنامج ليصل إلى أكبر عدد من الجمهور لكنه فى النهاية يصبح طرفا فى اللعبة ويستخدمه مقدم البرنامج على النحو الذى يريد خاصة أن الاتصالات تتوالى على الهواء مباشرة ولم نسمع حتى الآن عن عالم اعتذر عن الإجابة على سؤال ذى طابع فضائحى أو نهر السائل وأخبره أن مثل هذه الأمور لاتثار على الهواء أو أن من الأفضل أن يوافيه فى المسجد أو فى المكتب ليحصل على إجابة سؤاله. وهكذا بات علينا أن نعترف بعد سنوات من ظهور القنوات الفضائية ومن التمدد السرطانى لبيزنس الدين فى مصر وفى البلاد العربية والإسلامية أن هذه الظاهرة انتجت من بين ما انتجت نوعا جديدا من الفقه يمكن أن نطلق عليه فقه الفراش على وزن التعبير الشائع أدب الفراش، رغم أننا لو قارنا ما كان يكتبه الراحل العظيم إحسان عبد القدوس الذى وصف أدبه بهذا ما يقوله فقهاء الفراش لاكتشفنا أنه ذو طابع ملائكى عذرى بالنسبة للموضوعات التى يطرحها هؤلاء. ورغم أن بدايات الأشياء ليست مثل نهاياتها، ورغم أن نوايا ودوافع كل شخص تختلف عن الآخر، إلا أن الواقع أن فقه الفراش هذا تحول إلى مكون تجارى رخيص فى لعبة تسويق البرامج الدينية، والواقع أيضا أن الذى أعطى شارة البدء فى اتجاه ذيوع وانتشار فقه الفراش كان الشيخ يوسف القرضاوى من خلال برنامجه الشريعة والحياة فى قناة الجزيرة القطرية، وأغلب الظن أن دوافع الرجل لم تكن تجارية، حيث إن ثروته تقدر بالملايين، والأكيد أيضا أنه لم يكن يبحث عن الشهرة حيث كان عمره حين أذاع الحلقة الشهيرة عن الفتاوى الجنسية يقترب من السبعين، لكن الرجل وهو ابن مخلص لجماعة الإخوان سيطرت عليه فكرة أن الدين ورجل الدين يمكنه الإجابة على أى سؤال من أى نوع فى أى وقت وفى أى مكان وفى أى تخصص وبعد أن تطرق فى برنامجه لأمور اقتصادية وسياسية واجتماعية شتى وجد أن عليه أن يتطرق لكيفية معاشرة المسلم لزوجته وجمع عددا من الاسئلة التى قال أن المسلمين سألوه عنها «بشكل شخصى بالتأكيد» ربما فى المسجد أو على انفراد وقرر أن يجيب عليها مرة واحدة وعلى الهواء مباشرة واختارت القناة للحلقة اسم الجنس فى الإسلام - ونوهت على مدى ساعات بأن الحلقة للكبار فقط وكان المحور الأول للحديث عن الجنس الفموى كما أسماه القرضاوى ولعل اللافت أن إجابات العلماء عن الأسئلة الجنسية تكشف عن مواقفهم الفكرية، فالقرضاوى الذى يميل بشكل عام إلى توسيع الرداء الإسلامى حتى يمكن إلزام الجميع بارتدائه أجاب على سائليه إجابات صادمة من كثرة ما أباح وهو بالتأكيد يختلف فكريا عن أستاذ الأزهر الذى أفتى بأن تعرى الزوجين أثناء ممارسه الجنس حرام! فى حلقة الشريعة والحياة أباح القرضاوى ممارسة الجنس بالفم وقال أنه تلقى ما يزيد عن مائة سؤال حول نفس الموضوع «هل يجوز الاستمتاع عن طريق ملامسة الزوجين بالفم كل منهما لعورة الآخر؟ وكانت الإجابة «إذا كان المقصود هو التقبيل فالعلماء اجازوا ذلك يعنى إذا المرأة قبلت «اير» زوجها، والزوج قبل «فرج» زوجته لا حرج ولكن إذا كان القصد هو الانزال فإن فى هذا شئ من الكراهة، لا أستطيع أن أقول حرمة إذ لايوجد دليل على تحريم قاطع لأن هذا ليس موضعا قذرا مثل الدبر لكن لاشئ به إذا كان يرضى المرأة ويتلذذ به الرجل، القرضاوى تحدث أيضا عن قضايا أخرى مثل اتيان الزوجة فى الدبر، وهل يؤدى هذا إلى الطلاق أم لا وأفتى الرجل بأنه لايؤدى إلى الطلاق، ولكن من حق القاضى إذا علم أن الزوجين يفعلان هذا أن يطلقهما وقال إنه يمكن للزوج فى هذه الحالة الاستمتاع دون الجماع كما يحدث فى حالة الحيض! والحقيقه أن هذه كلها قضايا مهمة يمكن للمرء أن يطرحها على الطبيب أو على الاستشارى أو حتى على رجل الدين فى لقاء مباشر أو عبر البريد أو الهاتف ولكن ليس على الهواء مباشرة إلا إذا كان المقصود هو أن تنافس البرامج الدينية برامج البورنو على القنوات الأوروبية وتجتذب جمهورها، كما أن كل إنسان يستطيع أن يهتدى بنفسه لمثل هذه الإجابات إذا كانت فطرته سوية وسليمة، حيث تشترك الأديان كلها فى تحريم ما هو محرم وإباحة ما هو مباح. من الفتاوى الجنسية الشهيرة الفتوى التى أصدرها الأستاذ الأزهرى د.رشاد خليل الأستاذ بجامعة الأزهر ثم تراجع عنها سريعا ونفاها نفيا مؤكدا، حيث كان الرجل الذى لايظهر كثيرا فى وسائل الإعلام ضيفا على أحد برامج الفتوى على الهواء مباشرة التى تذيعها قناة مصرية فضائية خاصة، حيث سأله سائل عن حكم الشرع فى خلع الزوجين لملابسهما أثناء المعاشرة الزوجية، فأجاب الرجل أن خلع الزوجين لملابسهما ليس حراما فقط، لكنه أيضا يوجب التفريق بينهما وبطلان عقد الزواج، واستند إلى عدة أحاديث تحرم المعاشرة الجنسية بين الزوجين إذا اقترنت بالنظر إلى الأعضاء التناسلية، بمعنى أن المعاشرة الشرعيه هى التى تتم فى الظلام فإذا تعذر إطفاء النور فيجب على الزوجين إغماض العينين، وقد سارع المحيطون بالأستاذ الأزهرى إلى تنبيهه لضرورة نفى الفتوى التى نشرتها الصحافة على نطاق واسع وهو ما فعله بالفعل وكرره فى حوار لشبكة الأخبار العربية محيط أجراه معه الزميل عادل عبدالرحيم حيث قال الرجل أن إحدى المجلات نسبت له الفتوى التى نالت من سمعته العلمية ومكانته الأدبية واعتبر أن الشائعة نتجت عن قصد سيئ يستهدف الإساءة لعلماء الأزهر الشريف، ومع ذلك فإن الرجل رغم نفيه الأكيد تطرق «لبعض الأسانيد التى يسوقها بعض الفقهاء عند تقييد حرية التجرد من الملابس أثناء المعاشرة الجنسية بين الزوجين»، حيث يستند هؤلاء إلى حديث شريف يقول إذا أتى أحدكم أهله فليستترا ولايتجردا تجرد العيريين أى الحمارين! وعقب د.خليل أن هذا الحديث لاحجة فيه لأنه حديث ضعيف الإسناد وقد نبه الإمام العراقى بضعفه. أما آخر الفتاوى الجنسية وأكثرها إثارة للضجة حاليا فهى الفتوى التى أصدرها د.عزت عطية أستاذ الحديث بكلية أصول الدين والتى حملت اسم فتوى رضاع الكبير وهى فتوى جنسية مكتبية تهدف إلى التسهيل على موظفى المكاتب وإعفائهم من حرج الخلوة الشرعية، على اعتبار أن الموظف لايذهب إلى مكتبه من أجل العمل أو قضاء مصالح المواطنين، ولكن من أجل أن يختلى بزميلته الموظفة خلوة غير شرعية وعلى اعتبار أيضا أن الموظفين المصريين لايتكدس العشرة منهم فى غرفة واحدة بحيث لايكون هناك أى فرصة لأن يختلى الموظف لابنفسه ولا بزملائه خلوة شرعية أو غير شرعية! لكن د.عزت عطية قرر درء الشبهات وأفتى بأن الموظفة يمكنها أن ترضع زميلها فى العمل خمس رضعات مشبعات حتى يحرم عليها مؤقتا، ويمكنها أن تختلى به مع العلم أن هذه الرضعات المشبعات لاتمنع زواجهما مستقبلا إن أرادا مزيدا من الإرضاع! وقال د.عطية أنه يستند لواقعة سالم مولى أبى حذيفة، وهو كان ابنا بالتبنى لأبى حذيفة، وعندما حرم التبنى طلب الرسول «ص» من الأم أن ترضع ابنها بالتبنى حتى يمكنه الدخول عليها وهى أرضعته بالفعل لأنه كان فى مكان وعمر ابنها وكان يناديها قائلا يا أمى، لكن د.عزت عطية لم يقتنع أن الواقعة تخص سالم مولى أبو حذيفة فقط ودافع عن فتواه بضراوة قبل أن يعتذر عنها وقال أن فتواه مسندة للأمامين البخارى ومسلم وأن الموظفة فى حالة إرضاع زميلها يمكنها أن تخلع الحجاب أمامه! واندهش مفتى الرضاع بشدة من الذين فسروا فتواه تفسيرا جنسيا، متسائلين كيف يمكن لشخص بالغ أن يرضع من امرأة تماثله فى العمر دون أن يكون للموضوع بعد جنسى؟ ناسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذى صرح بذلك، رغم أن العلماء أجمعوا أن ذلك كان لحالة خاصة هى حالة أم وابنها، لكن د.عزت احتج بأم المؤمنين عائشة ولعل هذا ما عجل بنهايته. والأكيد أن فتاوى بعض العلماء لدينا تشبه النصوص التى تصدر من بعض برامج الترجمة فى الكميوتر، حيث يشتهر الكمبيوتر بأنه يترجم دون فهم ويستخدم المعنى الحرفى للكلمة، وهذا هو حال بعض علماء الفتاوى الجنسية وغير الجنسية تضع له الحديث من ناحية فيخرج لك الفتوى من الناحية الأخرى دونما نظر إلى الواقع أو الظروف أو المتغيرات أو إلى أى شئ لاينظرون إلى أى شئ سوى الوراء للوراء فقط
الديـــــن الجديـــــد
بعد صفنة طويــــــــــــــــــلة ...و بعد تفكير أطول .....( لأنو أحياناً بتكون الصفنة بلا تفكير ) .... و بعد دراسة جدوى أقتصادية لمشروع .... وبعد ما كنت قاعد عم أكتب مسودات و أقتراحات لمشروع طويل و معقد – سياسي - .... أكتشفت أنو احسن شغلة الواحد بيعملها بها الزمان الخ** أنوا يعمل شي دين عل حسابوا يلملوا قرشين نضاف أحسن من كل البهدلة يضبون على جنب ...لليوم الأسود ....(يعني أذا دقت فيني المخابرات من وين بدي جيب رشاوي لحتى أطلع )....لازم الواحد يشغل مخو !!!حاجة بقى ... ضحكنا كتير ...و أضحكوا علينا أكتر ...هرجنا كتير .... فعملونا جواكر بشدة كلها جواكر...ما فيها غي أص واحد .....و كل واحد منهم عم ينصب شكل ... ملــــــــيت !!!!قررت أني ساوي دين جديد !!!!!و بعد ما قلبت الموضوع - المشروع – بمخي لقيت أنو بدنا كم شغلة أساسية رح أكتبها هلق و بعدين برجع و بفصفصهم شوي شوي كل شغلة لحالها :1- شخصية مركزية : ورح تكون " أنا " و ما بدي تمرد من أولها ..لأنوا ما بدي قلل أدبي عليكم من هلق ..... بعدين العمى ضربكون شو ما بستحوا ... واحد بيكون عامل الجدوى الأقتصادية و صاحب الفكرة و صاحب رأس المال و بعدين بينط واحد و بيقلك يعني ليش أنت ؟؟؟......أخي بعد ما موت تصطفلوا تخانقوا على كيفكم على خلافتي ... و أنقسموا متل ما بدكم و دبحوا بعض مو فارقة معي ...بس هلق أنا الشخصية المركزية 2-كتاب مقدس :و لقيت أسمو : "" السطل "" و هي كلمة أصلها تشيكوسلوفاكي وتعني بالسنسكريتية وعاء الحكمة...و بالهيروغليفية وعاء اللبن 3-المعجزات :و بما أني ما لي شاطر بالكذب و حبل الكذب قصير منشان هيك رح ناقش هل الوضوع بأول أجتماع لحاملي الأسهم ....بس ما بدي غباوة ... و تروحوني فيها من أولتا ....نحنا جايين ناكل لقمتين و نهبش كم هبشة و بس .....ولا قلكم ما بدي أنا بألف لحالي( تعدو تروحوني فيها ) أنا رح ألف لحالي المعجزات ... و خلص ما في أجتماع طارىء للجنة العمومية و لا خ** خلص لغيتوا ... ولا حدا يجي !4-الطقوس و الأعياد الدينية :يعني صلاة وصوم وهيك شغلات ...مع أختيار يوم عطلة أسبوعية .. بس ما يكون لا جمعة ولا سبت و لا أحد ...منشان نقدر نتميز عن باقي الأديان و الطوائف الكافرة 5-التسبيح للدين :يعني شغلة متل التبشير عند جماعة الصليب ...و متل الأدعية عند جماعة الهلال .. ورح يكون شعار التسبيح " النء ع الادن متل السحر "6-التمويل :مبدئياً رح يكون التمويل من الاعضاء ... بس لما يمشي الحال و يقلب معنى الدولاب رح نمشي على نظرية " من دهنوا سئيلوا "7-لحظات حاسمة في تاريخ الدين الجديد :يعني شغلة متل الموعظة علي الجبل أو محاكمة المسيح وصلبه وقيامته أو خطبة الوداع أو خطبة مارتن لوثر كنغ... تبع " I have a dream "8-أعداء الدين الجديد.... وهدول مهمين كتير لأستدرار عطف الناس علينا .. و جذبهم الينا ....لما رح يشوفوا المعاناة تبعنا 9-المؤمنين بالدين الجديد :ها ها ( مع صفنة )هدول رح ينقسموا لطبقات طبقة الحبايب : يعني شغلة متل التلاميذ أو الصحابة و رح يكونو مقربين للشخصية المركزية يلي هو " أنا "و غالبية طبقة الحبايب -أن لم يكن كلها – رح يكونوا من الجنس اللطيف تعويضا لهم عما لاقوه علي يد الأديان الباطلة الأخرى من ظلم وإضطهاد وهدول رح يكونوا في حالة إجتماع حميمي دائم مع الشخصية المركزية اللي هو سعادتيطبقة العملاء : اللي هو سعادتكم وستكونون حلقة الوصل بيني وبين الطبقة الثالثة وهي طبقة القطيع ولكن يحظر تماما عليكم إجراء أي إتصال بطبقة الحبايب ـ نحنا دين محترم وألنا سمعتنا بالسوق ومو بدنا كلام الناس يكتر علينا –شو أنتم مفكرينها سايبة ولا شوطبقة القطيع ـ ودول مجموعة الحثالة والمغيبين الذين سيتم السيطرة عليهم عن طريق العملاء بتوجيهات من الشخصية المركزية ـ أنا –10-قصص تحول من أتباع الديانات الباطلة الأخرى للدين الجديد ـ وهي أنا كنت ناوي ناقشها في الإجتماع الذي سنناقش فيه موضوع المعجزات وبما إني لغيته فرح أتولي بنفسي تأليف تلك القصص
لماذا يخافون الإسلام الذي بشر بقيم موسى وعيسى؟....زين العابدين الركابي
هل الكوكب الأرضي يتسع لكل الأديان والأمم، ويضيق ـ فقط ـ بدين الاسلام وبالمسلمين؟.. إننا نعجب من هذا التحامل غير المبرر على الاسلام كدين لأننا نعلم ان الاسلام دين سماحة وتعارف وتفاهم واحترام للتعدديات المختلفة ويحرص على ازالة الأسلاك الشائكة بين الثقافات والحضارات وقد جاء بهذه القيم في وقت كان فيه العالم غارقا في الظلام في عهود ما سمي (بالقرون الوسطى المظلمة) في اوربا، وهي القرون التي كانت تقابلها نهضة التنوير العقلي والمعرفة والعلم عند العرب والمسلمين كما شهد بذلك علماء ومفكرون غربيون لا نستطيع احصاءهم الآن. وإنا لنسأل بتعجب أيضا: ما سبب هذا التحامل على الإسلام؟.. هل هو الجهل بحقيقة الإسلام؟.. أو هل السبب هو رواسب تاريخية معينة لم يستطع أصحابها التخلص منها فانعكست على أقوالهم ومواقفهم في أيامنا هذه»؟.
هذه المطارحة الفكرية الجادة تلقيتها من مسؤول عربي خليجي كبير عرف بـ (اهتمامه الفكري الرفيع) على الرغم من مسؤولياته السياسية والادارية الضخمة.. وأتت هذه المطارحة تعليقا على مواقف غير ودية تجاه الاسلام في عالمنا هذا.
مرة أخرى، وثالثة، وعاشرة: ليس من العقل، ولا التبصر الواقعي، ولا المسؤولية الحضارية: أن تشغلنا السياسة ـ على أهميتها ـ عما هو مثلها، أو أخطر منها، وأبعد مدى: في الزمن والتأثير، وهو (الفكر).
ولئن نَفَذ مقال الأسبوع الماضي من حدث سياسي هو الانتخابات البرلمانية التركية، الى ما وراء الحدث وهو (الفكر العلماني) وموقفه من الدين، فإن مقال اليوم له مدخله الزمني الفكري وهو: المطارحة الفكرية لذلك المسؤول العربي الكبير وللمقال ـ في الوقت نفسه ـ مقتضاه الموضوعي.. ويتمثل هذا المقتضى الموضوعي في (ظاهرة فكرية): اتحدث في المضمون والغاية وان تعددت مصادرها.. ويمكن تكييف هذه الظاهرة وتسميتها بأنها (ظاهرة التغذية المستمرة والمتصاعدة بالخوف من الاسلام: بناء على انفعالات عاطفية وتعصبات نفسية وأحكام مسبقة، لا بناء على براهين عقلية نتجت عن بحث منهجي علمي نزيه وأمين).
وهذه منظومة من (أجزاء) الظاهرة و(قرائنها).
1 ـ في أواخر يونيو الماضي: انعقد مؤتمر يهودي عالمي تحت عنوان (التخطيط لسياسات الشعب اليهودي). وقد انتظم المؤتمر شخصيات عالمية: يهودية وغير يهودية: شخصيات سياسية وفكرية وعلمية واقتصادية وإعلامية. وانتهى المؤتمر الى نتائج ووصايا منها: ان مما يهدد مستقبل الشعب اليهودي هو (تعاظم المد الأصولي الديني في العالم).. ولا يقصدون بذلك: الأصولية الهندوسية، ولا المسيحية، ولا اليهودية. وإنما يقصدون (الأصولية الإسلامية).. وفي هذا المجال نفسه: لا يقصدون غلاة المسلمين ومتطرفيهم وإرهابييهم فحسب. بل يقصدون المسلمين أجمعين الذين يعتزون بدينهم، ويرجعون الى (أصوله) النقيّة في الكتاب والسنة ليهتدوا بها في حياتهم العامة والخاصة..
وهذه رؤية غير مفصولة عن رؤية أسبق منها في الزمن. فمنذ أكثر من ربع قرن صاغوا تقريرا استراتيجيا يقول: «ان المشكلة ليست في الشباب المسلم المتطرف إذ هم ضحايا للاسلام نفسه (!!!) الذي ما صَدَقَ مسلم في الالتزام به الا تحول الى متطرف وارهابي، فالمشكلة في الاسلام ذاته ولذا يجب أن ينعقد اجماع اقليمي وعالمي على مواجهة هذا الخطر».
2 ـ والسند متصل بكبير من كبرائهم، ورائد فيهم يصغي اليه الجميع، ويعتدون بآرائه وأفكاره وهو برنارد لويس. ففي كتاب (أوربا والاسلام) الصادر في يونيو 2007 (ذات الشهر الذي انعقد فيه المؤتمر اليهودي المذكور آنفا).. في هذا الكتاب يقول برنارد لويس: «إن الاسلام عاد الى النضال من أجل الهيمنة على العالم اليوم على حساب المسيحية كما حدث من قبل في الشام وشمال افريقيا ووسط أوربا.. إن أحداث 11 سبتمبر كانت مجرد مقدمة، وان الهجوم هو أول السلسلة في هجوم شامل يتعدى الهجمات الارهابية ليأخذ أشكالا وصيغا أخرى مثل هجرة أفواج من المسلمين الى أوربا وتأثيراتهم في الحياة الأوربية من خلال تكاثرهم ومعهم قيمهم وأعرافهم وتقاليدهم».. ولويس هذا صاحب نظرية مركبة هي: ان العلة في الاسلام قبل أن تكون في المسلمين. وان التاريخ الاستعماري أثبت أن العرب والمسلمين لا يستطيعون الحياة إلا تحت وصاية أجنبية.
3 ـ في خواتيم يوليو الماضي: انبعث جورج جاينسفاين: السكرتير الخاص لبابا الفاتيكان، انبعث يقول: «ينبغي ألا نستهين بأسلمة الغرب، وألا نتجاهل خطرها على هوية أوربا بذريعة مجاملة تفهم بشكل خاطئ.. ان الكاثوليكية ترى ذلك جاليا وتقوله بوضوح».
تلك أجزاء ثلاثة أو قرائن ثلاث من ظاهرة (التغذية الفكرية الواسعة والمتزايدة بالخوف من الاسلام والمسلمين).. وقد اكتفينا بهذه النماذج لأن الايراد الكامل للقرائن كافة، ينقل الموضوع من دائرة المقال الى دائرة تأليف كتاب أو كتب.
فماذا وراء (الخوف المرضي) من الإسلام؟.. هل وراءه (وهم) سببه الجهل المطبق؟.. يجوز.. هل سببه (كراهية) صنعها التعصب الطاغي؟.. يجوز.. هل سببه (معركة مفتعلة) دافعها الاستغلال السياسي الغربي للدين؟.. يجوز.. هل سببه: الحكم على الاسلام من خلال سلوك رديء كريه لبعض المسلمين؟.. يجوز.. ولكن هذا الحكم ينسحب ـ كذلك ـ على المسيحية واليهودية بواسطة الحكم عليهما بما فعله هتلر وموسوليني المسيحيان في الحرب العالمية الثانية وبما تفعله اسرائيل اليهودية بالفلسطينيين الآن.
غريب وعجيب ومفجع حقا سلوك البشر.. هل الناس مجانين؟.. لماذا يحرصون على (التنقيب) عما يفرقهم ويباعد بينهم، ويهملون ـ بتفريط معيب ـ ما يقرب ويؤلف بينهم؟.
ان (قيم الاسلام) التي يخافون منها الى درجة الهلع، ليست بعيدة عنهم، لو أنهم فكروا بعقولهم الحرة وضمائرهم الصادقة فيها.. إنهم لو فعلوا ذلك لوجدوا أن هذه القيم والمبادئ هي هي نفسها التي بشر بها نبيا الله: موسى بن عمران، وعيسى بن مريم صلى الله عليهما وسلم.
إننا نكتب لقراء نحترم عقولهم ومستوياتهم الثقافية والفكرية. وبهذا المقياس، من حقهم علينا أن نقدم البراهين والأدلة التي تثبت (دعوى): ان الاسلام تضمن ـ بلا ريب وبوضوح واستفاضة ـ القيم والمبادئ التي بشر بها موسى وعيسى عليهما السلام.
1 ـ إن جوهر الإسلام هو الإيمان بالله وتوحيده وعبادته والإخلاص له. فقد تنزل على نبي الله محمد: «إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين. ألا لله الدين الخالص».. وهذا هو جوهر رسالة نبي الله موسى: «فلما أتاها نودي يا موسى. إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى. وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى. إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري».. وهذا هو جوهر الرسالة التي هتف بها نبي الله عيسى: «ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون. إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم».
2 ـ ان الإسلام دعا الناس إلى الحياة في نور الله وهداه: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم».. والدعوة إلى الحياة في نور الله وهداه هي (المضمون الأعظم) لرسالة نبي الله موسى: «إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا..».. وهذا هو ذات المضمون الأعظم، لرسالة نبي الله عيسى" «وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يدي من التوراة وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه».
3 ـ بل هناك (تطابق) في تفاصيل كثيرة بين الإسلام وبين المسيحية.. من هذه التفاصيل:
أ – الصلاة والزكاة.. ففي القرآن: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة».. وفي رسالة عيسى ـ على لسانه ـ: «وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا».
ب ـ بر الوالدين.. ففي القرآن: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً».. وفي رسالة المسيح العظيم ـ على لسانه ـ:«وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا».
ج ـ حشمة النساء.. ففي القرآن: «يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلالبيبهن».. وفي وصية بطرس للنساء: «لا تكن زينتكن زينة ظاهرة من ضفر الشعر والتحلي بالذهب والتأنق في الملابس، بل الخفي من قلب الإنسان» أي زينة بريئة من الفساد لنفس وادعة، ذلك هو الثمن عند الله.
ففيم الخوف من قيم الاسلام ومبادئه، وهي نفسها القيم والمبادئ التي بشر بها موسى وتوراته وعيسى وانجيله؟.. هل التقارب او التطابق ـ يمسي في غيبة العقل والضمير ـ ذريعة للتحامل على الاسلام والانتقاص منه والتخويف من قيمه؟.. يا الهي: كيف يفكر الناس؟!
ويبدو أن مواقف التحامل والتخويف هي (محض تعصب) عنصري او حضاري، لا علاقة له برسالة المسيح السمحة المرحبة بالحق والحكمة أنَّى كان مصدرها.. والدليل على انه محض تعصب عنصري هو: ان الاتحاد الاوربي رفض ان يتضمن الدستور الاوربي عبارة (دور القيم المسيحية في الحضارة الاوربية).. والدليل الثاني: ان الاتحاد الاوربي نفسه طلع على الناس منذ اسابيع بهذه المقولة: «ان القول الديني بخلق السموات والارض في ستة ايام يهدد حقوق الانسان»!.. ومعروف ان خلق السموات والارض في هذه المدة نصوص وردت في (الكتاب المقدس).. ووردت ـ كذلك ـ في القرآن المجيد (وهذا من براهين التلاقي والتطابق).. وتلك المقولة الاوربية اذ تدل على استمرار نزعة النفور من المسيحية نفسها هناك، فانها تدل ـ من جانب آخر ـ على جهالة مطبقة بمفهوم (اليوم عند الله سبحانه) فاليوم عند الله كخمسين ألف سنة مما نعد: «تعرج الملائكة والروح اليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة».. ثم هي جهالة مطبقة بقانون (التدريج) المعارض لمقولات (الطفرة)، وهو قانون تحدث عنه ابن خلدون فوصفه بأنه (هيئة بديعة من التدرج).. واذا كانت قضية (الخلق والتكوين) قد اصطدمت بمفاهيم دينية معروفة في اوربا ادت الى الصراع مع المؤسسة الدينية والى النفور من الدين نفسه، فان الحال ليس كذلك مع الاسلام والمسلمين، فعلماء الاسلام وفلاسفته منذ القرن العاشر الميلادي، ناقشوا هذه القضية وانتهوا ـ عقليا ـ الى ان خلق السموات والارض ـ وما فيهما ـ كان بقدرة الله ومشيئته، وانه تطور او (تدرج) بمشيئة الله عز وجل ومن هؤلاء العلماء: أحمد البلخي وابن مسكويه والطبري والفارابي وهذا (الفكر التنويري) المبكر هو من (القيم العلمية والحضارية) التي اهداها المسلمون الى الحضارة الاوربية.. يقول المفكر بريفولت في كتابه (بناء الانسانية).. «لقد كان العلم اهم ما جاءت به الحضارة الاسلامية، وليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الاوربي إلا يمكن ارجاع اصلها الى مؤثرات الثقافة الاسلامية بصورة قاطعة وكانت اظهر ما تكون في العلوم الطبية وروح البحث العلمي».. فلماذا الخوف من الاسلام وهو جسر تلاق وائتلاف ومصدر تنوير وابداع؟.. على ان هذا المفهوم السمح الواعد ينبغي ان يتمثله المسلمون انفسهم ولا سيما الذين يعيشون في الغرب.. يتعين عليهم ان يمارسوا قيمهم الاسلامية في اطار قوانين البلاد التي يعيشون فيها. فهذه القوانين من العهود التي يتوجب الوفاء بها وفاء مقترنا بالعلم الراسخ بأنهم لم يكلفوا بتطبيق الشريعة الاسلامية كدستور عام يحكم الحياة كلها، فهم لا يستطيعون ذلك.. والقاعدة العلمية العملية ـ ها هنا ـ هي (لا تكليف بما لا يطاق).. يضم الى ذلك: ان المناهج والشرائع والقوانين التي تطبقها البلدان التي يعيشون فيها هي من (التعددية) التي ارادها الله، والتي ينبغي احترامها: «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة
هذه المطارحة الفكرية الجادة تلقيتها من مسؤول عربي خليجي كبير عرف بـ (اهتمامه الفكري الرفيع) على الرغم من مسؤولياته السياسية والادارية الضخمة.. وأتت هذه المطارحة تعليقا على مواقف غير ودية تجاه الاسلام في عالمنا هذا.
مرة أخرى، وثالثة، وعاشرة: ليس من العقل، ولا التبصر الواقعي، ولا المسؤولية الحضارية: أن تشغلنا السياسة ـ على أهميتها ـ عما هو مثلها، أو أخطر منها، وأبعد مدى: في الزمن والتأثير، وهو (الفكر).
ولئن نَفَذ مقال الأسبوع الماضي من حدث سياسي هو الانتخابات البرلمانية التركية، الى ما وراء الحدث وهو (الفكر العلماني) وموقفه من الدين، فإن مقال اليوم له مدخله الزمني الفكري وهو: المطارحة الفكرية لذلك المسؤول العربي الكبير وللمقال ـ في الوقت نفسه ـ مقتضاه الموضوعي.. ويتمثل هذا المقتضى الموضوعي في (ظاهرة فكرية): اتحدث في المضمون والغاية وان تعددت مصادرها.. ويمكن تكييف هذه الظاهرة وتسميتها بأنها (ظاهرة التغذية المستمرة والمتصاعدة بالخوف من الاسلام: بناء على انفعالات عاطفية وتعصبات نفسية وأحكام مسبقة، لا بناء على براهين عقلية نتجت عن بحث منهجي علمي نزيه وأمين).
وهذه منظومة من (أجزاء) الظاهرة و(قرائنها).
1 ـ في أواخر يونيو الماضي: انعقد مؤتمر يهودي عالمي تحت عنوان (التخطيط لسياسات الشعب اليهودي). وقد انتظم المؤتمر شخصيات عالمية: يهودية وغير يهودية: شخصيات سياسية وفكرية وعلمية واقتصادية وإعلامية. وانتهى المؤتمر الى نتائج ووصايا منها: ان مما يهدد مستقبل الشعب اليهودي هو (تعاظم المد الأصولي الديني في العالم).. ولا يقصدون بذلك: الأصولية الهندوسية، ولا المسيحية، ولا اليهودية. وإنما يقصدون (الأصولية الإسلامية).. وفي هذا المجال نفسه: لا يقصدون غلاة المسلمين ومتطرفيهم وإرهابييهم فحسب. بل يقصدون المسلمين أجمعين الذين يعتزون بدينهم، ويرجعون الى (أصوله) النقيّة في الكتاب والسنة ليهتدوا بها في حياتهم العامة والخاصة..
وهذه رؤية غير مفصولة عن رؤية أسبق منها في الزمن. فمنذ أكثر من ربع قرن صاغوا تقريرا استراتيجيا يقول: «ان المشكلة ليست في الشباب المسلم المتطرف إذ هم ضحايا للاسلام نفسه (!!!) الذي ما صَدَقَ مسلم في الالتزام به الا تحول الى متطرف وارهابي، فالمشكلة في الاسلام ذاته ولذا يجب أن ينعقد اجماع اقليمي وعالمي على مواجهة هذا الخطر».
2 ـ والسند متصل بكبير من كبرائهم، ورائد فيهم يصغي اليه الجميع، ويعتدون بآرائه وأفكاره وهو برنارد لويس. ففي كتاب (أوربا والاسلام) الصادر في يونيو 2007 (ذات الشهر الذي انعقد فيه المؤتمر اليهودي المذكور آنفا).. في هذا الكتاب يقول برنارد لويس: «إن الاسلام عاد الى النضال من أجل الهيمنة على العالم اليوم على حساب المسيحية كما حدث من قبل في الشام وشمال افريقيا ووسط أوربا.. إن أحداث 11 سبتمبر كانت مجرد مقدمة، وان الهجوم هو أول السلسلة في هجوم شامل يتعدى الهجمات الارهابية ليأخذ أشكالا وصيغا أخرى مثل هجرة أفواج من المسلمين الى أوربا وتأثيراتهم في الحياة الأوربية من خلال تكاثرهم ومعهم قيمهم وأعرافهم وتقاليدهم».. ولويس هذا صاحب نظرية مركبة هي: ان العلة في الاسلام قبل أن تكون في المسلمين. وان التاريخ الاستعماري أثبت أن العرب والمسلمين لا يستطيعون الحياة إلا تحت وصاية أجنبية.
3 ـ في خواتيم يوليو الماضي: انبعث جورج جاينسفاين: السكرتير الخاص لبابا الفاتيكان، انبعث يقول: «ينبغي ألا نستهين بأسلمة الغرب، وألا نتجاهل خطرها على هوية أوربا بذريعة مجاملة تفهم بشكل خاطئ.. ان الكاثوليكية ترى ذلك جاليا وتقوله بوضوح».
تلك أجزاء ثلاثة أو قرائن ثلاث من ظاهرة (التغذية الفكرية الواسعة والمتزايدة بالخوف من الاسلام والمسلمين).. وقد اكتفينا بهذه النماذج لأن الايراد الكامل للقرائن كافة، ينقل الموضوع من دائرة المقال الى دائرة تأليف كتاب أو كتب.
فماذا وراء (الخوف المرضي) من الإسلام؟.. هل وراءه (وهم) سببه الجهل المطبق؟.. يجوز.. هل سببه (كراهية) صنعها التعصب الطاغي؟.. يجوز.. هل سببه (معركة مفتعلة) دافعها الاستغلال السياسي الغربي للدين؟.. يجوز.. هل سببه: الحكم على الاسلام من خلال سلوك رديء كريه لبعض المسلمين؟.. يجوز.. ولكن هذا الحكم ينسحب ـ كذلك ـ على المسيحية واليهودية بواسطة الحكم عليهما بما فعله هتلر وموسوليني المسيحيان في الحرب العالمية الثانية وبما تفعله اسرائيل اليهودية بالفلسطينيين الآن.
غريب وعجيب ومفجع حقا سلوك البشر.. هل الناس مجانين؟.. لماذا يحرصون على (التنقيب) عما يفرقهم ويباعد بينهم، ويهملون ـ بتفريط معيب ـ ما يقرب ويؤلف بينهم؟.
ان (قيم الاسلام) التي يخافون منها الى درجة الهلع، ليست بعيدة عنهم، لو أنهم فكروا بعقولهم الحرة وضمائرهم الصادقة فيها.. إنهم لو فعلوا ذلك لوجدوا أن هذه القيم والمبادئ هي هي نفسها التي بشر بها نبيا الله: موسى بن عمران، وعيسى بن مريم صلى الله عليهما وسلم.
إننا نكتب لقراء نحترم عقولهم ومستوياتهم الثقافية والفكرية. وبهذا المقياس، من حقهم علينا أن نقدم البراهين والأدلة التي تثبت (دعوى): ان الاسلام تضمن ـ بلا ريب وبوضوح واستفاضة ـ القيم والمبادئ التي بشر بها موسى وعيسى عليهما السلام.
1 ـ إن جوهر الإسلام هو الإيمان بالله وتوحيده وعبادته والإخلاص له. فقد تنزل على نبي الله محمد: «إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين. ألا لله الدين الخالص».. وهذا هو جوهر رسالة نبي الله موسى: «فلما أتاها نودي يا موسى. إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى. وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى. إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري».. وهذا هو جوهر الرسالة التي هتف بها نبي الله عيسى: «ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون. إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم».
2 ـ ان الإسلام دعا الناس إلى الحياة في نور الله وهداه: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم».. والدعوة إلى الحياة في نور الله وهداه هي (المضمون الأعظم) لرسالة نبي الله موسى: «إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا..».. وهذا هو ذات المضمون الأعظم، لرسالة نبي الله عيسى" «وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يدي من التوراة وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه».
3 ـ بل هناك (تطابق) في تفاصيل كثيرة بين الإسلام وبين المسيحية.. من هذه التفاصيل:
أ – الصلاة والزكاة.. ففي القرآن: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة».. وفي رسالة عيسى ـ على لسانه ـ: «وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا».
ب ـ بر الوالدين.. ففي القرآن: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً».. وفي رسالة المسيح العظيم ـ على لسانه ـ:«وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا».
ج ـ حشمة النساء.. ففي القرآن: «يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلالبيبهن».. وفي وصية بطرس للنساء: «لا تكن زينتكن زينة ظاهرة من ضفر الشعر والتحلي بالذهب والتأنق في الملابس، بل الخفي من قلب الإنسان» أي زينة بريئة من الفساد لنفس وادعة، ذلك هو الثمن عند الله.
ففيم الخوف من قيم الاسلام ومبادئه، وهي نفسها القيم والمبادئ التي بشر بها موسى وتوراته وعيسى وانجيله؟.. هل التقارب او التطابق ـ يمسي في غيبة العقل والضمير ـ ذريعة للتحامل على الاسلام والانتقاص منه والتخويف من قيمه؟.. يا الهي: كيف يفكر الناس؟!
ويبدو أن مواقف التحامل والتخويف هي (محض تعصب) عنصري او حضاري، لا علاقة له برسالة المسيح السمحة المرحبة بالحق والحكمة أنَّى كان مصدرها.. والدليل على انه محض تعصب عنصري هو: ان الاتحاد الاوربي رفض ان يتضمن الدستور الاوربي عبارة (دور القيم المسيحية في الحضارة الاوربية).. والدليل الثاني: ان الاتحاد الاوربي نفسه طلع على الناس منذ اسابيع بهذه المقولة: «ان القول الديني بخلق السموات والارض في ستة ايام يهدد حقوق الانسان»!.. ومعروف ان خلق السموات والارض في هذه المدة نصوص وردت في (الكتاب المقدس).. ووردت ـ كذلك ـ في القرآن المجيد (وهذا من براهين التلاقي والتطابق).. وتلك المقولة الاوربية اذ تدل على استمرار نزعة النفور من المسيحية نفسها هناك، فانها تدل ـ من جانب آخر ـ على جهالة مطبقة بمفهوم (اليوم عند الله سبحانه) فاليوم عند الله كخمسين ألف سنة مما نعد: «تعرج الملائكة والروح اليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة».. ثم هي جهالة مطبقة بقانون (التدريج) المعارض لمقولات (الطفرة)، وهو قانون تحدث عنه ابن خلدون فوصفه بأنه (هيئة بديعة من التدرج).. واذا كانت قضية (الخلق والتكوين) قد اصطدمت بمفاهيم دينية معروفة في اوربا ادت الى الصراع مع المؤسسة الدينية والى النفور من الدين نفسه، فان الحال ليس كذلك مع الاسلام والمسلمين، فعلماء الاسلام وفلاسفته منذ القرن العاشر الميلادي، ناقشوا هذه القضية وانتهوا ـ عقليا ـ الى ان خلق السموات والارض ـ وما فيهما ـ كان بقدرة الله ومشيئته، وانه تطور او (تدرج) بمشيئة الله عز وجل ومن هؤلاء العلماء: أحمد البلخي وابن مسكويه والطبري والفارابي وهذا (الفكر التنويري) المبكر هو من (القيم العلمية والحضارية) التي اهداها المسلمون الى الحضارة الاوربية.. يقول المفكر بريفولت في كتابه (بناء الانسانية).. «لقد كان العلم اهم ما جاءت به الحضارة الاسلامية، وليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الاوربي إلا يمكن ارجاع اصلها الى مؤثرات الثقافة الاسلامية بصورة قاطعة وكانت اظهر ما تكون في العلوم الطبية وروح البحث العلمي».. فلماذا الخوف من الاسلام وهو جسر تلاق وائتلاف ومصدر تنوير وابداع؟.. على ان هذا المفهوم السمح الواعد ينبغي ان يتمثله المسلمون انفسهم ولا سيما الذين يعيشون في الغرب.. يتعين عليهم ان يمارسوا قيمهم الاسلامية في اطار قوانين البلاد التي يعيشون فيها. فهذه القوانين من العهود التي يتوجب الوفاء بها وفاء مقترنا بالعلم الراسخ بأنهم لم يكلفوا بتطبيق الشريعة الاسلامية كدستور عام يحكم الحياة كلها، فهم لا يستطيعون ذلك.. والقاعدة العلمية العملية ـ ها هنا ـ هي (لا تكليف بما لا يطاق).. يضم الى ذلك: ان المناهج والشرائع والقوانين التي تطبقها البلدان التي يعيشون فيها هي من (التعددية) التي ارادها الله، والتي ينبغي احترامها: «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة
Subscribe to:
Posts (Atom)